الدولة العميقه

ساعتين ago
الدولة العميقه
د. عادل يعقوب الشمايله
كَثُرَ الحديثُ خلال السنوات القليلة الماضية على وسائل التواصل الاجتماعي، والقنوات التلفزيونية، والمقالات المنشورة في الصحف بأنواعها، عن شبحٍ أُطلِقَ عليه تسمية “الدولة العميقة”. وبالرغم من الاهتمام الاستثنائي بهذا الشبح، إلَّا أنَّ الحديث عنه من المعتقدين بنظرية المؤامرة، ولأسبابٍ ظنِّيَّة، قد اقتصر على اللعنات والاتهامات بأنَّ الدولة العميقة هي صانعةُ جميع المصائب السياسية والثقافية والاجتماعية في العالم.
ثم تحول الشبح إلى (الغُولة) في خيالات المنشغلين به، وكَبُرَ مثل كرة الثلج بسبب الضباب الكثيف الذي يُخفي حقيقته. لذلك
من المفيد إذابةُ الثلج وتبديدُ الضباب والكشفُ عن حقيقة الشبح أو الغول.
من المتفق عليه أن توصيف مصطلح “الدولة العميقة” لا يستند إلى نظرية معتمدة في العلوم السياسية الكلاسيكية. رغم أنَّ التسمية قد نشأت في “سياقٍ سياسيٍّ معيَّن” قبل أن تنتقل إلى الخطاب العام، ويتسع استخدامها ويتضخم معناها.
“الدولة العميقة” توصيفٌ سياسيٌّ لحالاتٍ محددة من تداخل السلطة الرسمية وغير الرسمية. الدولة العميقة ليست تنظيماً سرياً موحَّداً بالضرورة، بل شبكة مصالح متقاطعة تتكون من: قياداتٍ أمنيةٍ وعسكريةٍ عُليا، أجهزةِ استخباراتٍ، بيروقراطيةٍ رفيعةِ المستوى، شبكاتٍ اقتصاديةٍ مرتبطةٍ بالمؤسسة العسكرية أو الأمنية، قضاةٍ ومسؤولين إداريين في مواقع حساسة.
يزعم المدافعون عن الدولة العميقة أنه، نظراً لما لديها من خبرةٍ تراكميةٍ في الأمن والسياسة الخارجية والأوضاع الداخلية، فإن هدفها الرئيس هو الحفاظ على الاستقرار، وحماية الأمن القومي، ومنع الانقلابات العسكرية والثورات، وتوفير استقرارٍ مؤسسيٍّ عند تغيُّر الحكومات، ومنع صدور قراراتٍ شعبويةٍ خطِرةٍ تزعزعُ مستقبلاً استقرارَ الدولة أو بقاءَ نظام الحكم.
لكن هناك من يعارض هذا التوصيف، ويرى أنَّ مهامَّ الدول العميقة ترتكز على حماية الأنظمة الاستبدادية، والدول الوظيفية من الانهيار، والحفاظ على النفوذ المؤسسي، ومقاومة الإصلاحات التي تهدد مصالح أصحاب المصالح، وتقويض مبدأ السيادة الشعبية، وإضعاف مبدأَي الشفافية والمساءلة، وتعطيل التحول الديمقراطي، وترسيخ ثقافة الشك والمؤامرة في المجال العام، وتبرير فشل الحكومات وأنظمة الحكم، وشيطنة الخصوم ولو بدون دليل، والتأثير في القرار السياسي دون مساءلةٍ ديمقراطية؛ لأن عناصر الدولة العميقة غير منتخبين من الشعب. لذلك يُنظر إليها على أنها جزءٌ سرطانيٌّ من بنية الحكم، وليس قوةً موازيةً له. كما أن هناك من يشير إلى وجود خطوط اتصالٍ وتوظيفٍ بين الدول العميقة في دول العالم الثالث والدول ذات التاريخ الاستعماري.
اشتهر استخدام مصطلح “الدولة العميقة” بعد اتضاح تورط الجيش التركي الذي يعتبر نفسه حارساً لمبادئ مصطفى كمال أتاتورك بالتحالف مع شبكاتٍ أمنيةٍ استخباريةٍ بيروقراطيةٍ جاهزة للتدخل عند شعورها بتهديد “هوية الدولة”، إثر فضيحة سوسورلوك، التي كشفت عن علاقاتٍ غيرِ رسميةٍ بين عناصر من الجيش والأمن والسياسيين والجريمة المنظمة.
ربما تكون هذه الحادثة نقطة البدء وسبب تعريف الدولة العميقة  أنها تتكون من شبكةٍ غيرِ رسميةٍ داخل مؤسسات الدولة، تعمل بدرجاتٍ متفاوتةٍ من الاستقلال عن السلطة السياسية المنتخبة، بهدف حماية مصالح بنيوية ترى أنها مصلحةٌ عُليا.
كما أُطلق وصف الدولة العميقة على (مراكز القوى)، حسب توصيف محمد حسنين هيكل، على مجموعة الرافضين لتولي أنور السادات الحكم بعد وفاة جمال عبد الناصر.
وأُعيد استخدام المصطلح أثناء موجة الربيع العربي من قبل الثوار وجماعة الإخوان المسلمين في مصر على أجهزة الحكومة التي كانت تحاول تثبيت حكم مبارك.
واستُخدم المصطلح أيضاً في باكستان لوصف التحالف بين الجيش والاستخبارات وقوى رأسمالية وإقطاعية ودينية تُمسك وتتمسك بمفاتيح السلطة السياسية من وراء الستار، وتمنع الانتقال من حكم العسكر المستبد إلى حكم ديمقراطي ينهض بباكستان في مواجهة خطر الهند الخطير.
يتردد استخدام المصطلح في الولايات المتحدة منذ رئاسة دونالد ترامب الأولى، حيث استهدف ترامب ومؤيدوه المصطلحَ للتهجم على البيروقراطية الفدرالية والأجهزة الاستخبارية وقضاةِ المعارضة له، والتي يُتوقع معارضتها له، مستخدمين خطاباً شعبوياً يفتقر للأدلة، هدفه تعبئة الجماهير اليمينية المتطرفة العنصرية غير المتعلمة لدعم الرئيس ترامب