د. عادل يعقوب الشمايله
كان الفراعنة والأباطرة يستعينون بالمنجمين للتنبؤ بالأوقات المناسبة للغزو والتهديدات المحتملة من أعدائهم، إضافةً إلى تفسير أحلامهم. أي أن المنجمين كانوا يمارسون دور Think Tanks (مراكز الدراسات الاستراتيجية) والدولة العميقة في عصرنا الحاضر.
عاد دور المنجمين للسطوع في العقود الأخيرة من خلال الخبراء الاستراتيجيين والمحللين السياسيين الذين تستضيفهم القنوات التلفزيونية.
استند المنجمون للنهوض بمهمة التنجيم إلى مؤهلاتهم كرجال دين يزعمون أنهم على تواصل مع الجن والأرواح المسيطرة على الكون وحركة الأجرام السماوية، حيث كان المنجمون يراقبون حركة الكواكب السبعة: الشمس، القمر، عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل، ويسجلون الكسوف والخسوف والاقترانات لاعتقادهم بأن هناك ارتباطًا رمزيًا بين السماء والأرض، أي أن ما يحدث في السماء ينعكس على الأرض.
هذه المنظومة الرمزية، إضافةً إلى الكتب والسجلات البابلية، لم تجعل من التنجيم علمًا تجريبيًا ولا أداة تنبؤ موثوقة. وكما يقول العالم كارل ساغان:
“الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلة استثنائية”.
معظم القنوات التلفزيونية الأردنية والعربية تفتقر للمهنية الإعلامية والالتزام التعاقدي مع المشاهدين، الذي يتطلب تطبيق أساسيات العمل الإعلامي والصحفي، وهي: المصداقية، والتوثيق، والبحث، والتحري عن الحقيقة وتقديمها دون تزييف ولا تغليف وبحيادية، لا أن يكون همّها الرئيس إشغال أوقات بثها وجذب المشاهدين ولو بالتضليل ونشر الإشاعات والأخبار، وتلويث وعيهم، مما قد يقودهم إلى اتخاذ قرارات خاطئة تضرهم أمنيًا واجتماعيًا وماليًا.
تتجاهل القنوات التلفزيونية أن مرحلة الشحن العاطفي الساذج سيتلوها مرحلة الإحباط وخيبة الأمل، وشعور المتابعين أنهم أضاعوا أوقاتهم بالاستماع إلى نشرات الأخبار وما يرافقها من حوارات الخبراء غير الاستراتيجيين، الذين نادرًا ما أصابت توقعاتهم في أحداث غزة ولبنان وسوريا، وقبلها في العراق وأفغانستان.
القنوات التلفزيونية لم تتعظ من قصة الراعي والذئب، فبالرغم من ثبوت فشل من يزعمون أنهم خبراء، تستمر القنوات باستضافتهم لتفسير تهديدات ترامب لحكام إيران والتهديدات الإيرانية المضادة.
ضياع مصداقية من تصفهم القنوات بالخبراء الاستراتيجيين والمحللين لا بد أن ينعكس على القنوات نفسها، فينصرف عنها المشاهدون، كما تفعل الشعوب المتحضرة التي تحترم نفسها وتقدّر وقتها، فتعاقب من يخدعها ويغشها.
لتجنب هذا المآل، يتوجب على القنوات التلفزيونية أن تضع مواصفات لمن تستضيفهم وتقدمهم للمشاهدين، سواء كانوا محللين اقتصاديين أو سياسيين أو خبراء عسكريين أو في مجالات الطاقة والاستثمار، لا أن يكون هدفها التنفيع أو التلميع لأشخاص لعلاقات القربى أو الصداقة أو النفاق لأصحاب النفوذ، أو إرضاءً لتوجهات الحكومة وترويجًا لقراراتها المتخذة أو التي ستُتخذ.
ليس كل من عمل في الحكومة يصبح خبيرًا، فالعمل البيروقراطي لا يسمح بالإبداع لأنه محكوم بالتطبيق الحرفي للقوانين والأنظمة، حتى ولو كانت مخالفة للمنطق والعدالة، أو كانت صادرة عن مجالس تشريعية تطالها الطعون في شرعية ونزاهة انتخابها وآليات عملها.
وبالمثل، ليس كل ضابط خدم في الأجهزة العسكرية أو الأمنية يصبح خبيرًا عسكريًا أو استراتيجيًا، فالأفراد يختلفون بقدراتهم العقلية ومعارفهم المكتسبة وفرص التعلم والتدريب وسنوات التطبيق والتجربة. معظم من يعمل في الجيوش يُنشَّأون على قاعدة “نفّذ ثم ناقش”. وكما هو معروف، فإن أصل البيروقراطية قد تطور في الجيوش والكنائس ثم انتقل إلى الأجهزة المدنية، مما يجعل فرص الإبداع محدودة.
ليس كل أستاذ جامعي تنطبق عليه شروط “الباحث”. هذا يعتمد على تفوقه في مختلف المراحل التعليمية، ومستوى الجامعات التي تخرج منها ومعدلاته، والأبحاث التي كتبها، والمجلات التي نشر فيها أبحاثه، وإسهامها في تراكم المعرفة، ومستوى الجامعة التي يُدرّس فيها، خاصةً وأن عدد من يحملون شهادة الدكتوراه أصبح يزيد عن عدد حملة شهادة التوجيهي، والبركة في دكاكين الدكتوراه.






