ارقامُ الحكومةِ تُخَطئها 

5 يناير 2026
ارقامُ الحكومةِ تُخَطئها 
د. عادل يعقوب الشمايله
على مدى سنواتِ العقدِ الماضي ظلَّت الحكوماتُ الأردنيَّةُ المتعاقبةُ تتهرَّبُ من زيادةِ رواتبِ الموظَّفين المدنيِّين العاملين ورواتبِ المتقاعدين المدنيِّين التي استنفذها التَّضخُّمُ السَّنويُّ منذ عامِ ٢٠١٣.
حُجَّةُ الحكوماتِ المُكرَّرةُ أنَّ رواتبَ الموظَّفين تستحوذُ على أكثرَ من خمسين بالمائة من النَّفقاتِ العامَّة.
في مقابلِ ما تمسَّكت به الحكوماتُ اردد المثل العربي: الميه بتكذِّب الغطَّاس. فنؤكِّدُ أنَّ حُجَّةَ الحكوماتِ غيرُ صحيحةٍ إطلاقًا، وأنَّها تبنَّت النِّسبةَ المُبالغَ بها تلك على فرضيَّةِ أنَّ الأردنيِّين عادةً لا يقرؤون، وإن قرؤوا لا يتحرَّون ولا يبحثون، خاصَّةً عندما يتعلَّقُ الأمرُ بالاتفاقيَّاتِ ومشاريعِ القوانين، ومن بينها مشروعُ قانونِ الموازنةِ العامَّة.
وإذْ أتَّفقُ مع فرضيَّةِ الحكومةِ أنَّ الأردنيِّين والعربَ عمومًا لا يقرؤون، غيرَ أنَّني أرى أنَّهم لو كانوا عكسَ ذلك، أيْ يقرؤون، لما سَهُلَ عليهم فهمُ قانونِ الموازنةِ بعد أن أصبحَ يفتقدُ لأحدِ أهمِّ مبادئِ الموازنةِ التي أرساها علمُ الماليَّةِ العامَّة، وهو الشَّفافيَّة. فمشروعُ قانونِ الموازنةِ العامَّةِ أصبحَ يتَّسمُ بالإبهامِ وليس الإفهام.
•بياناتُ الجدولِ التَّالي مُستخلصةٌ من عشرةِ قوانينِ موازنةٍ عامَّةٍ صدرت بدءًا بعامِ ٢٠٠٠. أرقامُ الجدولِ تدحضُ مُبالغاتِ الحكوماتِ حول كلفةِ الموظَّفين، لأنَّ حصَّةَ الرَّواتبِ والأجورِ والعلاواتِ وما تدفعه الحكومةُ للضَّمانِ الاجتماعيِّ مساهمةً عن الموظَّفين ظلَّت خلال العقدين المنصرمين تُشكِّلُ نسبةً شبهَ ثابتةٍ (متدنيَّةٍ) تقلُّ عن 20% من إجمالي النَّفقاتِ العامَّة، وحتَّى من إجمالي النَّفقاتِ الجارية، وكذلك إذا قورنت بالإيراداتِ العامَّة. هذه النِّسبةُ تُقاربُ المعدَّلَ في الدُّولِ الأوروبيَّة، وتضعُ الأردنَّ ضمن تصنيفِ الحكوماتِ الصَّغيرةِ أو الرَّشيقة
موقع الجدول
من المستهجن أنَّ الحكومةَ ترفضُ أن تقتنعَ أنَّ زيادةَ الرواتبِ والتقاعدِ ليست مِنَّةً منها ولا ترفًا للموظَّفين والمتقاعدين، بل هي تصحيحٌ ماليٌّ يحافظُ على الأجرِ الحقيقيِّ، ويمنعُ الانزلاقَ الاجتماعيَّ، ويصونُ كرامةَ من أفنوا أعمارهم في خدمةِ الدولةِ وأنجزوا كُلَّ ما تتفاخرُ به الحكوماتُ على أنَّه من إنجازها مُنذُ نشأةِ الكيانِ الأردنيِّ، وما قُدِّمَ للأردنيِّين من سلعٍ وخدماتٍ عامَّةٍ كان مستواها في حقبةٍ من الزمنِ هو الأفضلُ في المنطقةِ بناها وقدَّمها الموظَّفون من الصِّفر.
كما ترفضُ الحكومةُ الاقتناعَ بأنَّ  تدنِّي دخولِ هذه الشَّريحةِ الواسعةِ يُسهمُ في تراجعِ الطَّلبِ المحلِّيِّ على السِّلعِ ويُعمِّقُ الرُّكودَ الاقتصاديَّ وانخفاضَ أرباحِ قطاعَي الصِّناعةِ والتِّجارةِ وبالنَّتيجة انخفاضَ الضَّرائبِ وارتفاعَ معدَّلَي البطالةِ والفقرِ، وجميعها شرورٌ تُوصِلُ إلى زيادةِ الاحتقانِ الاجتماعيِّ كما هو الحالِ في إيرانَ والمغربِ، ثمَّ انخفاضَ جودةِ الخدماتِ العامَّةِ واتِّساعَ وتيرةِ هجرةِ المستثمرين والكفاءاتِ. وستكونُ الكلفةُ أعلى على الدَّولةِ نفسها، ماليًّا وسياسيًّا.
ربَّما تكونُ الحكومةُ في داخلها تُدركُ تلك الحقيقةَ رغم مجادلتها بعكسها. لكنَّ الحكومةَ تتحرَّجُ من الاعترافِ بأنَّ سلطتَها على اتِّخاذِ القراراتِ الصَّائبةِ مُكبَّلةٌ، وتخضعُ لإملاءاتِ صندوقِ النَّقدِ الدَّوليِّ والبنكِ الدَّوليِّ التي تحجِرُ رفعَ الرَّواتبِ وتحجِرُ على الإنفاقِ الرَّأسماليِّ الكافي، وتحجِرُ على تخفيضِ الفوائدِ البنكيَّةِ التي تؤولُ فوائضُها التي تصلُ إلى مئاتِ الملايينِ من الدَّنانيرِ كأرباحٍ على السَّاهلِ للعائلاتِ التي تحتكرُ البنوكَ على حسابِ الاستثمارِ والنُّموِّ الاقتصاديِّ، وحتَّى لو كانت مستنزَفةً من نخاعِ عظامِ الأردنيِّين، وتمنعُ أيَّ نهجٍ يُمَكِّنُ أن يؤدِّيَ إلى استئنافِ النُّموِّ الاقتصاديِّ الذي جرى تجميدُه منذ عامِ ١٩٩٠.
وصفةُ صندوقِ النَّقدِ الدَّوليِّ للأردنِّ ولسائرِ الدُّولِ التي انحنت لعاصفتِه (والتي يُطلَقُ عليها برنامجُ الإصلاحِ الاقتصاديِّ) ترتكزُ على محورَين:
الأوَّل: تجميدُ النَّفقاتِ العامَّةِ بشقَّيها الجاري والرَّأسماليِّ أو على الأقلِّ تخفيضُ معدَّلِ زيادتِها السَّنويَّةِ إلى أقصى حدٍّ ممكن.
الثَّاني: زيادةُ الإيراداتِ المحلِّيَّةِ إلى أقصى حدٍّ ممكن عن طريقِ زيادةِ الضَّرائبِ والرُّسومِ والرُّخصِ باستمرارٍ واختراعِ أنواعٍ جديدةٍ من الضَّرائبِ حتَّى أصبح لدينا ضرائبُ على الضَّرائبِ، والحثُّ المستمرُّ على تحسينِ تحصيلِ الضَّرائبِ مهما تحسَّنت، أي إنَّ على الحكومةِ أن تحلبَ وأن تعصرَ حتَّى بزوغِ الدَّم.
تستهدفُ وصفةُ صندوقِ النَّقدِ الدَّوليِّ تحسينَ ميزانِ المدفوعاتِ وإنقاصَ عجزِ الموازنةِ باستمرارٍ وبالنَّتيجة تناقصَ الحاجةِ للاقتراضِ سواءً الدَّاخليِّ والخارجيِّ.
غيرَ أنَّه، وبالرَّغمِ من تطبيقِ الحكوماتِ الأردنيَّةِ لوصفةِ الصُّندوقِ طيلةَ خمسةٍ وثلاثين عامًا، إلَّا أنَّ عجزَ الموازنةِ ظلَّ يتفاقمُ ويتفاقمُ معه حجمُ الدَّينِ العامِّ الدَّاخليِّ والخارجيِّ كخلايا السَّرطانِ. إذ يتزايدُ الدَّينُ بوتيرةٍ عاليةٍ جدًّا غيرُ مبرَّرةٍ ولا مُفَسَّرةٍ، ويرفضُها أيُّ منطقٍ اقتصاديٍّ أو محاسبيٍّ أو رياضيٍّ مع أنَّ الرَّواتبَ المتَّهَمةَ مُجمَّدةٌ وغيابُ إنفاقٍ رأسماليٍّ حقيقيٍّ ومُحرِز.
هذا الوضعُ يُبرِّرُ السُّؤالَ الذي سيظلُّ يطنُّ في آذانِ الحكوماتِ «سؤالٌ برسمِ الجواب»: ما هي مبرِّراتُ واستخداماتُ الدَّينِ العامِّ الدَّاخليِّ والخارجيِّ؟ وأين تذهبُ المبالغُ المُستدانةُ؟ لأنَّ موازنةَ التَّمويلِ الواردةَ في قانونِ الموازنةِ غيرُ مُقنعة.
رسالتي إلى الحكومةِ أنَّ العدالةَ الاقتصاديَّةَ ليست ترفًا فلسفيًّا وأخلاقيًّا، وأنَّ الدِّفاعَ عن حقوقِ الموظَّفين والمتقاعدين بزيادةِ رواتبِهم ليس موقفًا عاطفيًّا ولا شعبويًّا ولا مزايدةً على الحكومةِ، بل خيارٌ اقتصاديٌّ عقلانيٌّ يقعُ في صلبِ مسؤوليَّتِها ووظيفتِها، وأنَّ من الأفضلِ للحكومةِ أن تنأى بمستوى معيشةِ مواطنيها وخاصَّةَ الموظَّفين العاملين والمتقاعدين عن أن يكونَ سلاحًا بأيدي معارضيها أو أن يتحوَّلَ إلى قنبلةٍ أو قنابل.
الدُّولُ التي تحترمُ موظَّفيها وتحافظُ على رفعةِ مستوى معيشتِهم لا تفعلُ ذلك بدافعِ الشَّفقةِ، بل لأنَّها تُدركُ أنَّ الإدارةَ العامَّةَ القويَّةَ تبدأُ بموظَّفٍ آمنٍ معيشيًّا. وبالنِّسبة للمتقاعدين، فإنَّ زيادةَ تقاعدِهم بصورةٍ دوريَّةٍ هدفُه الوفاءُ أوَّلًا والحفاظُ على ذاتِ القدرةِ الشِّرائيَّةِ لرواتبِهم لحظةَ تقاعدِهم لحفظِ الكرامةِ والولاء ثانيًا.
فالتَّضخُّمُ السَّنويُّ ضريبةٌ صامتةٌ تستنزفُ ما تبقَّى من دخولِ الموظَّفين والمتقاعدين بعد الذي تحصده مناجلُ الضَّرائبِ المباشرةِ وغيرِ المباشرةِ.
مقالي هذا ينصبُّ على غالبيَّةِ الموظَّفين العاملين والمتقاعدين ويستثني المدلَّلين الذين يتقاضون الآلاف