ديوجينيس في الميزان

27 ثانية ago
ديوجينيس في الميزان

د. محمد عبد الله القواسمة

ديوجين أو ديوجينيس (نحو 421 – 323 ق م) أحد الفلاسفة اليونانيين، الذين كان لهم تأثير كبير في الفكر والفلسفة اليونانية، بل في الحياة الاجتماعية والسياسية في تلك الفترة، التي شهدت نشاط الفلاسفة العظام: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو. واستمر تأثيره حتى يومنا هذا، مع أنه مثل سقراط لم يترك أثرًا مكتوبًا، ولهذا ربما تكون الأقاويل قد تسربت إلينا كثيرة عن حياته وأفكاره عن طريق من أرخوا للفلاسفة في مقدمتهم ديوجينيس اللائرتي، الذي عاش في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي في كتابه «حياة مشاهير الفلاسفة» الذي ترجمه إمام عبد الفتاح إمام.
وقد بدأ هذا التأثير في المجتمع اليوناني، وبخاصة في المدن التي أقام فيها ديوجينيس، مثل سيبون، وأثينا، وكورنثة من خلال التفات الناس إلى حياته المتمردة على الأعراف والعادات الاجتماعية، ورفضه النظم السياسية والفكرية السائدة، وازدرائه الشخصيات حتى الأباطرة والملوك. وقصة لقائه الاسكندر المقدوني معروفة، عندما طلب منه الابتعاد عن وجهه؛ حتى لا يحجب عنه الشمس. كما أن نومه في جرة كبيرة أو برميل من الخزف سحرت الناس، يضاف إلى ذلك ما روي عن تجواله في طرقات أثينا وشوارعها نهارًا، وفي يده فانوس مضاء، ويجيب من يسأله بأنه يبحث عن إنسان.
لا شك أن الحياة الخشنة التي ارتضى بها ديوجينيس، وسلوكه المنفر في الأماكن العامة، واتخاذه التسول وسيلة للعيش،كل ذلك ساهم في تكوين أسطورته عبر التاريخ. ولكن، التأثير الأكبر كان للدور الذي قام به في صياغة الفلسفة الكلبية، كما طبقها في حياته العامة، وساعد على انتشارها، منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى العصر المسيحي، وقد شكلت فلسفته ومفهومه للمواطنة العالميةالتحدي للنظام السياسي.
لقد نال ديوجينيس التكريم بعد مدة قصيرة من وفاته، عندما أقامت له مدينة سينوب التي ولد فيها تمثالًا من البرونز، كتب على قاعدته:» البرونز ينال منه الزمن لكن شهرتك يا ديوجينيس لن تختفي أبدًا». وفي القرن التاسع عشر نال التكريم العالمي بلوحتين من فنانين غربيين مشهورين: جان ليون جيروم، وجون ويليام ووترهاوس. في اللوحة الأولى ظهر ديوجينيس في جرته أو برميله، وهو يُعدّل مصباحه، وحوله أربعة كلاب. وفي الثانية ظهر وهو في المكان نفسه، وحوله ثلاث فتيات يطللن عليه من دَرج قريب.
في عام 1975، أُطلق اسمه على حالة نفسية متلازمة ديوجينDiogenes Syndrome. وهي تختلف عن فلسفة ديوجينيس الإيجابية، وتعرّف بأنها اضطراب سلوكي يتميز صاحبه بالعزلة عن المجتمع، وإهمال النظافة الشخصية، وقذارة المنزل، وتكديس الأشياء الضرورية وغير الضرورية، واقتراف السلوكات الغريبة، والعناد ورفض مساعدة الآخرين.
وفي عام 2006، أقامت مدينة سينوب، التي هي الآن في تركيا تمثالًا جديدًا له؛ لإظهار أنها مكان ولادة مؤسس الفلسفة الكلبية. ثم أصدرت اليونان بعد ذلك مجموعة من العملات التذكارية عليها صورة ديوجينيس. وفي عام 2005 أُطلق اسمه على برنامج للاتحاد الأوروبي يدعو إلى الحد من السمنة.
وجاء الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك عام 1983 ليناقش في كتابه «نقد العقل المتشائم» وجعل من ديوجينيس مثالًا لفكرته عن الكلبية، التي تستخدم التحقير الشخصي لجذب تعليقات الناس.
كما أن الفيلسوف الفرنسي فوكو قدم ديوجينيس بأنه نموذج لما يمكن أن تعلمه الفلسفة بالالتزام بالحقيقة، وأنه فيلسوف حقيقي، وفي كتابه «خطاب لا يعرف الخوف» يناقش فوكو ديوجينيس وأتباعه الكلبيين في تصرفاتهم وعلاقتها بالحقيقة. كما أن برتراند راسل الفيلسوف البريطاني رأى أن ديوجينيس رجل عنده الشغف الباهر بالفضيلة، والحرية الأخلاقية أكثر من أي فيلسوف آخر من الفلاسفة الساخرين القدامى والمحدثين.
وإذا كان كثيرون رأوا في ديوجينيس فيلسوفًا يستحق التقدير والثناء لالتزامه الشديد بالعيش البسيط، واتصافه بالصدق والشجاعة، وحرية التعبير، والتعلق بالاكتفاء الذاتي فإن آخرين يرونه رجلًا وقحًا كسولًا متسولًا، لا قيمة فكرية له، ولا يستحق الدراسة من منظور فلسفي، بل من منظور نفسي أو أنثروبولوجي،
الخلاصة رغم المآخذ التي نأخذها ويأخذها الآخرون على ديوجينيس وأخلاقه، وبخاصة تسوله، وحياته البوهيمية، ونظرته الظالمة للمرأة، بأنها أس الشر، ولا تستحق غير الموت، فهو النموذج للإنسان الذي يعترف بأنه مواطن عالمي، والفيلسوف الساخر المحرك للمجتمع، والمحرض على الرفض، وقول الصدق، والعيش بحرية.
إنه فيلسوف يختلف عن كثيرين من الفلاسفة، بأنه عاش وفق فلسفته دون أن يحيد عنها.