د محمد العزة
المجتمع الأردني يمتاز بإمتلاكه مجسات و أجهزة استشعار عالية الحساسية ، تجاه القضايا السياسية الوطنية الأردنية، تجعله في حالة استنفار تدفعه في بعض الحالات لإصدار جرس الانذار المبكر على شكل ردود فعل عفوية تصل إلى المطالبة برفع حالة التأهب القصوى ، خاصة إذا ما كانت القضية حديث الساعة تمس شؤونه الأمنية و تخالف قوانين و قيم ومبادئ سياسة الدولة الأردنية.
تصريحات الملك في لقاءه مع المتقاعدين العسكريين ، مستعرضا تفاصيل زيارته الأخيرة للولايات المتحدة و نتائجها و تأكيده على مواقق الدولة الأردنية و ثوابتها تجاه القضية الفلسطينية ، و على صعيد آخر أيضا التأكيد أن المصلحة الوطنية الأردنية أولوية ، ليكشف النقاب خلال ذلك اللقاء من خلال إشارته إلى بعض الجهات و التنظيمات الذين يتلقوا توجيهات بل أوامر خارجية مارست نشاطات التشكيك في حقيقة الدور الاردني المتقدم على غيره من المواقف العربية و الإقليمية والدولية تجاه تصديه العدوان على غزة و رفض التهجير ، في محاولة لاضعاف الدور الاردني خدمة لمشاريع و مصالح تلك الجهات التابعة.
هذا التصريح الملكي التقطته لواقط المجسات و الاستشعار و أجهزة الانذار المبكر الشعبية و الإعلامية و القوى السياسية ، على إثرها صدرت بيانات الاستنكار من مختلف الجهات و على مختلف المستويات ، منها ما أشار بأصابع الاتهام إلى تنظيم أو تنظيمات بعينها و الهجوم عليها في اطار تكتيكات المنافسة السياسية ، و منها بادرت بالدفاع عن نفسها و تبرير مواقفها و ظهرت ملامح الحدية و العصبية في لغة بياناتها و على لسان قياداتها و أخرى فهمت التصريح و وضعته في الاطار العام للتوجيه و التنبيه من ممارسة هكذا نشاطات أو الانخراط في مسارات التبعية الخارجية و املاآتها.
تصريح الملك كان رسالة جامعة موجهة إلى جميع القوى و التنظيمات و التيارات السياسية من شتى الاساسات الفكرية الايدلوجية والعقائدية و الهوياتية ، ولم يكن خطاب نوايا لاستهداف او التطرق أو تخصيص الإشارة نحو جهة معينة فمن وجد في نفسه من هذه الجهات أو التنظيمات بأن أركان ممارساته و نشاطه تنطبق عليها مواصفات ما تضمنته تلك الرسالة عليه القيام بمراجعة حقيقة و سريعة وضبط اعدادات بوصلة فكره التي تحكم نمط صيغة الخطاب و أسلوب الممارسة و تحدد أهدافه ، لذا وجب عليهم ادخال تغيرات جذرية بما تقتضي المرحلة الحالية و القادمة و تخدم المصلحة الوطنية العامة العليا.
السؤال الصريح و المباشر الذي علينا أن نطرحه هل لدينا قوى أو تنظيمات سياسية تتبع لجهات خارجية ؟
الإجابة نعم و كل واحد منها يعرف حقيقة ذلك ، و السبب في هذه الحالة أو الظاهر و جدتها في عبارة على لسان الصديق الإعلامي المهندس فادي العمرو الا و هي “أن السياسة أردنيا غير متجذرة وهي حالة طارئة تظهر وفق المستجدات ضمن ما يسمى اليقظة الوطنية أو الثورية أو الدينية و هي الأخطر على الإنسان و الدول ” .
و أجد نفسي متفقا معه من خلال ما كتبته من عناوين لمقالات ( الاردن الوطن أو الساحة ),( الهوية الحزبية و الهوية الوطنية الأردنية), و قلنا إن الاردن منذ التأسيس ذهب إلى خيار الانتماء إلى الهوية القومية العربية ، وهذا ما أخر تأطيره هويته الوطنية الاردنية الخاصه به ، و بناء نموذجا خاصا به للمؤسسات الحزبية السياسية البرامجية التي تلائم طبيعة البيئة المجتمعية و الثقافة السياسية الأردنية دون التخلي عن عمقه القومي العربي ، و تحتكم في قراراتها و برامجها لفكرها الاردني المستقل الذي يضع المصلحة الوطنية و مشاريع التنمية و النهضة و الحداثة و تحسين الظروف المعيشية و الاقتصادية أولوية .
الاردن بقيادته الهاشمية اثبت أنه وطن للجميع اولا ، و أنه دولة مؤسسية و تحكم و تحتكم بأدوات الديمقراطية و التشريعات القانونية كمرجعية لمعايير مستوى أداء القيادة و الإدارة و المسؤولية عند اتخاذ القرارات ، و لا يمكن أو يجوز حصر برامج وسياسة دولة في إطار ضيق محوره تنظيم ، هذا فهم خاطيء عاطفي لما تعنيه الدولة ، كما يروج له بعض التيارات داخل خطاب تبريراتها في دفاعها عن نشاطها و مواقفها السياسية .
الدولة مؤسسات و تخطيط لبرامج و تطبيقها للوصول إلى أهدافها ، و هذا يستند إلى فكر واستراتيجية وليس ممارسة لهواية تسلم المناصب و تقلد الألقاب و عشوائية الممارسات في اتخاذ القرارات.
دولة مئوية نحصر سياستها في مواجهة ضد طرف أو تيار سياسي هذا تصريح ارتجالي .
في الربيع العربي الاسود تم الطلب من الاردن حظر جماعة أو تنظيم الإخوان المسلمين و تصنيفهم على قائمة الإرهاب ، رغم مطالبة التنظيم إسقاط النظام و مساومته له على صلاحياته الدستورية ، مستغلة ظرف ضغط المرحلة و أهدافها في المنطقة ، ثم لاحقا طالبوا بالإصلاح ، بعد ما استطاع الاردن تجاوز تلك الفترة بالحكمة و الحنكة .
رفض الاردن الطلب رغم الغضب مما كشفته تلك المرحلة من تنسيق و تخابر خارجي لهم و سقفهم العالي ، وتحمل العتب من الجوار و الاثار السلبية تبعية هذا الرفض و اختار الحوار الداخلي، لأنه يؤمن بالتعددية السياسية الحزبية والحياة الديمقراطية الحقيقية وسيادة القانون والدولة .
لاحقا بعد مرحلة التحديث السياسي وتصويب أوضاع الأحزاب بعد توصيات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية تم الطلب من الاردن حظر حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي لكنه رفض لتمسكه بنفس الموقف والثوابت .
مشكلتنا داخلية أكثر منها خارجية وتتمثل في التيارات السياسية الدينية والثورية والقبلية ، وهذه التيارات للان لم تستخدم أو تستوعب تقنيات التحديث و المواكبة و ديناميكية التكيف التي تراعي متطلبات تطور ومسيرة الدولة نحو المدنية و الحداثة و الديمقراطية والتنمية ، هم أسرى القواعد و المعتقد الجامد الذي يطالب الآخرين بالتغيير على مقاس و مستوى فكرهم و ضمن سعة نموذج قالبهم .
المسؤولية مشتركة في التغير نحو صناعة هوية سياسية حزبية اردنية أصيلة ، حتى لا يحدث تكرار في الادوات و النماذج و النهج و النتائج ، اذ أن التاريخ السياسي والطبيعة السياسية ، تقول من لا يتكيف و يفهم البيئة التي يعيش فيها و المحيطة به ، يختفي أو يضمحل ليصبح ديناصور قابل للانقراض ، لأجل ذلك هناك ضرورة لحسم عنوان الحزبية السياسية الأردنية و هويتها داخل إطار الحزبية البرامجية حيث تكون الملفات الداخلية مركز و قلب البرامج الواقعية لتعبر عن احتياجات و مطالبات الشارع ، بما يتعلق حول دورها في الملفات الخارجية، تكون وفق دور تقديم وجهات النظر و التقييم كأراء تدعم الديبلوماسية الأردنية التي تديرها الخارجية الأردنية بتوجيهات ملكية .
العمل بعكس ذلك يعني أن هناك فهم خاطيء أو تعمد في الأساءة أو عدم أهلية لهذه القوى للمشاركة في العملية السياسية الحزبية.
في الختام نحتاج إلى مؤتمر حوار وطني اردني يضع بنود و خطوط عريضة لهوية العمل السياسي الحزبي البرامجي و الالتزام به ، حيث الشفافية و الوضوح لبناء مؤسسات حزبية سياسية برامجية فعلية و ليس شكلية ، مستقبلا تشارك في الحكومات و صنع القرار ضمن برنامج و اهداف محكومة لرزنامة زمنية تعكس نضج الفهم لموقع المسؤولية ، و كفاءة الإدارة، و الجدية في العمل و الاخلاص للوطن قيادة و أرضا وشعبا