قراءة| الإدارة الاستراتيجية.. ضمانة للمستقبل أم مبالغة في التحسب؟

20 يوليو 2023
قراءة| الإدارة الاستراتيجية.. ضمانة للمستقبل أم مبالغة في التحسب؟

المهندس خالد بدوان
وطنا اليوم: تؤكد الإدارة الاستراتيجية على الأداء الطويل الأجل، ويمكن للعديد من الشركات تقديم أداء عالي في مدد قصيرة الأجل، لكن القليل منها فقط من يمكنه الحفاظ على علو الأداء لفترة زمنية أطول. فعلى سبيل المثال: من أصل 100 شركة أدرجتها فوربس في عام 1917، كان الذي نجا منها فقط هو 13 شركة.

وحتى يومنا هذا فإن تحقيق المنظمات للنجاح على المدى الطويل يعتمد على كون هذه الشركات قادرة على إرضاء السوق الحالي، ولكن في نفس الوقت يجب عليها تكييف أنشطتها لإرضاء الأسواق الجديدة والمتغيرة.

إن المنظمات التي تشارك في الإدارة الإستراتيجية تتفوق عمومًا على تلك التي لا تفعل ذلك. وإن تحقيق تطابق مناسب، أو “ملائم”، بين بيئة المنظمة واستراتيجيتها وهيكلها وعملياتها له آثار إيجابية على أداء المنظمة. وتزداد أهمية التخطيط الاستراتيجي كلما أصبحت البيئة غير مستقرة.

كنت قد وقفت على دراسة استقصائية لما يقرب من 50 شركة في مجموعة متنوعة من البلدان والصناعات وكانت حصيلة الدراسة أن أكبر فائدة للإدارة الإستراتيجية تتلخص في ثلاثة فوائد: أولها وضوح الرؤية الاستراتيجية للشركة، والثانية التركيز بشكل أكبر على ما هو مهم استراتيجيًا، وأخيرا: تحسين فهم بيئة سريعة التغير.

في دراسة استقصائية أخرى أجرتها شركة McKinsey & Company شملت 800 مديرا تنفيذيا كانت النتيجة مفادها أن عمليات التخطيط الاستراتيجي الرسمية تعمل على تحسين الرضا العام عن تطوير الإستراتيجية.

ولكي تكون الإدارة الإستراتيجية فعالة، لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون عملية رسمية، إذ يمكن أن تبدأ ببعض الأسئلة البسيطة: أين المنظمة الآن؟ (ليس حيث نأمل أن تكون!)، وفيما لم يتم إجراء تغييرات، فأين ستكون المنظمة في غضون عام واحد؟ عامين؟ خمسة أعوام؟ 10 أعوام؟ هل الاجابات مقبولة؟ وإذا كانت الإجابات غير مقبولة، فما هي الإجراءات المحددة التي يجب على الإدارة اتخاذها؟ ما هي المخاطر التي ينطوي عليها؟

أظهرت استطلاعات كانت الفئة المستهدفة فيها: المديرين التنفيذيين –أظهرت- أن التخطيط الاستراتيجي هو الأداة الإدارية الأكثر استخدامًا لدى أكثر من 88% منهم.

منذ وقت ليس ببعيد كان بالإمكان لأي شركة تجارية أن تنجح من خلال التركيز فقط على صنع وبيع السلع والخدمات داخل حدودها الوطنية. ولم تكن للاعتبارات الدولية أي أهمية تذكر.

وكانت الأرباح المحققة تأتي من تصدير المنتجات إلى الأراضي الأجنبية، ولكنها لم تكن ضرورية فعليا لنجاح الشركة.
وبالمثل وحتى الجزء الأخير من القرن العشرين كان يمكن لأي شركة تجارية أن تكون ناجحة للغاية دون أن تكون حساسة للبيئة. وكان من المشهور قيام الشركات بإلقاء نفاياتها في الجداول أو البحيرات المجاورة، وتلويث الهواء بكل حرية بدخان يحتوي على غازات ضارة.

استجابة للشكاوى، أصدرت الحكومات في نهاية المطاف قوانين تقيد حرية تلويث البيئة.

وأجبرت الدعاوى القضائية الشركات على التوقف عن الممارسات القديمة. ومع ذلك، وحتى فجر القرن الحادي والعشرين، اعتبر معظم المديرين التنفيذيين أن تدابير مكافحة التلوث هي تكابف زائدة يجب إما تقليلها أو تجنبها.

وبدلاً من انفاق تكاليف في هذا الصدد فقد كان –غالبًا- ما يم نقل التصنيع بعيدًا عن الشاطئ إلى دولة نامية ذات قيود بيئية أقل.

تشير الاستدامة البيئية إلى استخدام ممارسات الأعمال لتقليل تأثير الشركة على البيئة الطبيعية والمادية. ويلعب تغير المناخ دورًا متزايدًا في قرارات الأعمال. وأكثر من نصف المديرين التنفيذيين العالميين الذين شملهم الاستطلاع الذي أجرته شركة McKinsey & Company في عام 2007 اختاروا “القضايا البيئية، بما في ذلك تغير المناخ،” باعتبارها أهم قضية تواجههم على مدار السنوات الخمس المقبلة.

يشكل تغير المناخ مخاطر حقيقية وفرصًا يجب على الشركات أن تبدأ التخطيط لها اليوم أو تخاطر بفقدان الأرض أمام منافسيها الأكثر تفكيرًا بالمستقبل.

وتحتاج كل شركة إلى تقييم مدى تأثرها بالآثار المرتبطة بالمناخ مثل: التحولات الإقليمية في توافر الطاقة والمياه، وموثوقية البنى التحتية وسلاسل التوريد، وانتشار الأمراض المعدية.

قدرت شركة Swiss Re – ثاني أكبر شركة إعادة تأمين في العالم- أن التكاليف الاقتصادية الإجمالية للكوارث المناخية لعام 2014 تزايدت بمقدار 40 مليار دولار أمريكي لكل سنة بسبب تغير المناخ.

ووفقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) فمن المتوقع أن يتضمن نظام المناخ العالمي عددًا من التغييرات خلال القرن الحادي والعشرين: زيادة درجة الحرارة، وارتفاع مستوى البحر، زيادة نشاط الأعاصير المدارية الشديدة، زيادة وتيرة الفيضانات المفاجئة والفيضانات واسعة النطاق في العديد من المناطق، زيادة مخاطر الجفاف في أستراليا وشرق نيوزيلندا والبحر الأبيض المتوسط، مع الجفاف الموسمي في وسط أوروبا وأمريكا الوسطى.

وتزايد حرائق الغابات في المناطق القاحلة وشبه القاحلة مثل أستراليا وغرب الولايات المتحدة. وتقليل طول موسم الثلوج وعمقه في أوروبا وأمريكا الشمالية. وانخفاض عدد النهار والليالي الباردة مما يؤدي إلى تقليل الصقيع…الخ.

إذا أردنا التعامل مع ظاهرة الاحتباس الحراري -على سبيل المثال – كأصحاب قرار في الشركات فإننا سنكيف استراتيجيتنا وممارساتنا لنستخدم مصانع أقل طاقة لتنبعث منها كميات أقل من النفايات السائلة. وستكون العبوات المستخدمة أكثر قابلية للتحلل البيولوجي، والمنتجات الجديدة قادرة على التقاط أي أسواق ناتجة عن تأثيرات الطقس القاسية.

التغير لم يقف عند حد الاستدامة البيئية، فاليوم تغير كل شيء. وبتنا نسمع عن العولمة، والتدويل المتكامل للأسواق والشركات، والتي غيرت الطريقة التي تمارس بها الشركات الحديثة أعمالها. وأصبحت الوظائف والمعرفة ورأس المال قادرة الآن على التحرك عبر الحدود بسرعة أكبر بكثير واحتكاك أقل بكثير مما كان ممكنًا قبل بضع سنوات فقط.

على سبيل المثال: فإن الطبيعة المترابطة للمجتمع المالي العالمي كانت السبب في مشاكل إقراض الرهن العقاري للبنوك الأمريكية والتي أدت إلى أزمة مالية عالمية في عام 2008.

في حين أن توفر الإنترنت والتحسينات اللوجستية لسلسلة التوريد، أدى لتحديد شركاء متعددين لخدمة أي سوق.

تفكر الشركات الآن في السوق العالمي بدلاً من الأسواق الوطنية وعليه باتت تفكر أكثر للوصول إلى اقتصاديات الحجم اللازمة لتحقيق التكاليف المنخفضة، وبالتالي الأسعار المنخفضة اللازمة لتكون قادرة على المنافسة عالميا وليس محليا. فشركة مثل “نايك” و “ريبوك” على سبيل المثال يصنعان أحذيتهما الرياضية في بلدان مختلفة في جميع أنحاء آسيا للبيع في كل قارة.

وتقوم العديد من الشركات الأخرى في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية بالاستعانة بمصادر خارجية في التصنيع، أو تطوير البرامج، أو خدمة العملاء لشركات موجودة في الصين أو أوروبا الشرقية أو الهند. حيث تمكنت شركة كشركة IBM من توظيف 75000 شخص في مراكز التسليم العالمية في بنغالور أو دلهي أو كولكاتا لتلبية احتياجات العملاء في أتلانتا أو ميونيخ أو ملبورن، وبدلاً من استخدام قسم دولي واحد لإدارة كل شيء خارج الوطن الأم – كما كان الأمر عليه في ستينيات القرن الماضي – أصبحت الشركات الكبيرة الآن تستخدم هياكل مصفوفة تتشابك فيها وحدات المنتج مع الوحدات الإقليمية أو القطرية.

تعتبر المهام الدولية الآن أساسية لأي شخص مهتم بالوصول إلى الإدارة العليا، خاصة مع تحول المزيد من الصناعات إلى العالمية، فأصبحت الإدارة الإستراتيجية وسيلة ذات أهمية متزايدة لتتبع التطورات الدولية ووضع ميزة تنافسية طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال: نقلت شركة جنرال إلكتريك مختبرًا كبيرًا للبحث والتطوير لقسم الأنظمة الطبية من اليابان إلى الصين من أجل معرفة المزيد حول تطوير منتجات جديدة للاقتصادات النامية.

في حين يقع أكبر مركز أبحاث لشركة مايكروسوفت في بكين وليس في واشنطن. لماذا؟ كبار الباحثين يجيبون: أن ما تطوره الصين يتم نشره في بقية العالم.

نعم فقد يكون نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين أقل من البلدان المتقدمة؛ لكن لدى الصينيين إحساس قوي بكيفية تصميم المنتجات لأسواقهم.

إن تشكيل جمعيات واتفاقيات تجارية إقليمية مثل: الاتحاد الأوروبي، ونافتا، وميركوسور، ومجتمع الأنديز، كافتا، ورابطة دول جنوب شرق آسيا، غيرت طريقة إدارة الأعمال التجارية الدولية.

اطلع على ميزة Global Issue لتعلم كيف تجبر الاتحادات التجارية الإقليمية الشركات على تأسيس وجود صناعي في أي مكان يرغبون فيه في تسويق البضائع أو مواجهة تعريفات جمركية كبيرة.

وقد أدت هذه الجمعيات إلى وجود معايير أكثر تجانسا بحيث يمكن بيع المنتجات بسهولة أكبر ونقلها عبر الحدود الوطنية.

الاعتبارات الدولية أدت إلى التحالف الاستراتيجي بين شركة الخطوط الجوية البريطانية وشركة الخطوط الجوية الأمريكية والاستحواذ على شركة Miller Brewing Company من قبل South African Breweries (SAB) .

تأسس الاتحاد الأوروبي في عام 1957 باعتباره المجموعة الاقتصادية الأوروبية وهو الاتحاد التجاري الأكثر أهمية في العالم.

وكان هدف الاتحاد الأوروبي هو التكامل الاقتصادي الكامل لدوله الأعضاء البالغ عددها 27 دولة بحيث يمكن للسلع المصنوعة في جزء واحد من أوروبا أن تتحرك بحرية دون التوقف أبدًا للتفتيش الجمركي.

الإزالة المطردة للحواجز التي تعترض التجارة الحرة توفر الزخم لسلسلة من عمليات الاندماج والاستحواذ والمشاريع المشتركة بين الشركات التجارية.

لقد أجبر شرط المحتوى المحلي بنسبة 60٪ على الأقل لتجنب الرسوم الجمركية العديد من الشركات الأمريكية والآسيوية على التخلي عن التصدير لصالح التواجد المحلي القوي في أوروبا.

الأمر يطول إذا أردنا التعداد: اتفاقية التجارة (كافتا) في أمريكا الوسطى، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN).
الخلاصة … لا بد من ضمان للمستقبل .. واعقلها وتوكل