بنك القاهرة عمان

متخصص مصري: شاهدت فلم ” اميرة” وهذا رأيي

13 ديسمبر 2021
متخصص مصري: شاهدت فلم ” اميرة” وهذا رأيي

وطنا اليوم – كتب استاذ المسرح والناقد السينمائي في مصر  د. سيد علي إسماعيل رايه جول فيلم اميرة الذي اثار الجدل حيث قال اسماعيل في منشور رصدته وطنا اليوم :

إن كانت لهذا الفيلم إيجابية واحدة، فستكون تعريف العالم بابتكار تهريب (نطفة) الأسير إلى رحم زوجته خارج السجن لينجب فلسطينياً يدافع عن قضيته ويكون امتدادا لكفاح والده الأسير. وهذا الابتكار يعد حكراً على الأسرى الفلسطينيين وحدهم بين كل البشر على مرّ التاريخ!! ويا ليت الفيلم قصد ذلك، لهانت جميع سلبياته، ولكن للأسف اتخذ من هذا النضال الابتكاري – غير المسبوق – ذريعة للتشكيك فيه وفي أهميته بالنسبة لأسر الأسرى، وفي قيمته النضالية لقضية فلسطين!!
قصة الفيلم تدور حول رغبة الأسير (نوار) في أن ينجب طفلاً من زوجته (وردة)، بعد أن أنجب منها ابنته الوحيدة (أميرة) منذ ستة عشر عاماً تقريباً. وهذه الرغبة تتطلب موافقة الزوجة، لأنه سيرسل لها نطفته، كما فعل من قبل وأنجب ابنته أميرة. وتوافق الزوجة وكذلك ابنته أميرة على تنفيذ رغبته عند زيارته في السجن. وبالفعل يرسل الأسير النطفة، فقام الطبيب بتجهيز الزوجة لتستقبل نطفة زوجها الأسير، وعندما قام الطبيب بتحليل النطفة للتأكد من أنها نطفة الزوج، يفاجأ بأن الزوج عنده عيب خلقي – مولود به – يمنعه من الإنجاب، مما يعني أنه عقيم منذ مولده!! وهنا تظهر عقدة الفيلم، من أين جاءت الفتاة أميرة؟ ومن أي نطفة ولدت، طالما أن والدها عقيم؟! وتتجمع العائلة لتجبر الأم على الاعتراف بالخيانة، والبوح باسم والد أميرة الحقيقي! ويتم حجز الأم في منزل بالعائلة تحت حراسة الجميع خشية هروبها! ويعرف الأسير بهذه الأحداث ويقابل ابنته أميرة ويطلب منها أن تشك في أي رجل تظن أنه والدها، حتى يقوم عمها بعمل تحليل له ليكتشفوا من هو والدها الذي فعل ذلك مع أمها! وأول إنسان شكت فيه أميرة كان مدرسها في المدرسة الذي كان يلازم أمها باستمرار، ولكن التحليل أثبت براءته! واتسعت دائرة الشك لتصل إلى أشقاء الأسير بأنهم خانوه من زوجته! ولكن التحليل أثبت براءتهم أيضاً! وبدأت الألسنة تتحدث في الموضوع، وانتشر الخبر في مدرسة أميرة، وبدأت الطالبات يتغمزن عليها. فتقرر أميرة الذهاب إلى الطبيب الذي وُلدت على يديه لتسأله! فتصمم الأم على الذهاب معها، وأمام منزل الطبيب تعترف الأم بأن الطبيب (حسن) كان أسيراً مع زوجها، وعندما أفرج عنه كان يزورها، فضعفت أمامه وأحبته وخانت زوجها الأسير معه، وهو والد أميرة الحقيقي! وكانت الأم تنوي طلب الطلاق من زوجها الأسير كي تتزوج من الطبيب، ولكن الطبيب مات .. هنا تنهار أميرة وفي لحظة انهيارها يفتح باب المنزل ويخرج منه الطبيب حسن حي يرزق!! فتواجهه أميرة بالحقيقة، فينكرها ويثبت أنه قام بعملية التلقيح لأمها من نطفة أبيها الأسير! وعندما تخبره بأن والدها عقيم يقول لها إن صاحب النطفة عمها، لأنه من أحضرها له!! فتقول له إن التحليل أثبت براءة عمها!! فلم يجد الطبيب مفراً من الإفصاح عن الاحتمال الأخير وهو أن من أخذ النطفة من والدها وسلمها إلى عمها هو (السجان الإسرائيلي) وهو صاحب النطفة التي جاءت منها أميرة!! وأمام هذه الحقيقة المؤلمة – التي كانت تشعر بها الأم وتتوقعها – ضغطت على ابنتها لتتبني روايتها الكاذبة الأولى أما العائلة، وهي خيانتها لزوجها مع الطبيب! وعادت الأم مع ابنتها وواجهت العائلة بأنها بالفعل خائنة وخانت زوجها مع الطبيب حسن، وقبل أن يفتك بها شقيقها أمام الجميع، دافعت عنها ابنتها أميرة واعترفت أمامهم بأنها إسرائيلية جاءت من نطفة إسرائيلي!! وأمام هذا الواقع المرير تقرر الأم أن تُبعد ابنتها عن فلسطين وتسافر إلى مصر وتعيش هناك، لأن الجميع لن يرحمها كونها من نطفة إسرائيلي! وتقابل الزوجة زوجها الأسير في السجن، وتخبره بضرورة سفر ابنتهما إلى مصر فيوافقها على رأيها حفاظاً على أميرة! ولكن أميرة ترفض هذا الحل، وتصمم على البقاء، وعندما يضغط عليها الجميع من أجل السفر توافق ظاهرياً، وفي يوم السفر تقرر أن تقوم بعمل بطولي وتقتل كل إسرائيلي يقابلها، ويساعدها عمها وحبيبها على ذلك وأعطاها الحبيب مسدساً مع ورقة بها رابط بالإنترنت. وعندما تتخطي الأسلاك الشائكة لتصل إلى مقر الجنود الإسرائيليين لتنفذ عمليتها، تفتح رابط الإنترنت لتجد فيه صوراً عائلية لرجل إسرائيلي مع ابنته التي تشبه أميرة وكأنها توأمتها، فتعرف أميرة أن هذا الإسرائيلي هو والدها صاحب النطفة التي جاءت منها! فيسقط المسدس من يدها، وبحركة ساذجة يراها الجنود الإسرائيليين، فتهرب منهم فيطلقون النار عليها فتموت. ويأتي والدها الإسرائيلي ليتعرف على جثتها في المشرحة وينتهي الفيلم برفع لافته بها صورتها وكلمة واحدة مكتوبة هي (الشهيدة).
وعندما ينتهي الفيلم يأتي التتر بثلاث جمل منفصلة كل جملة على حدة!! الأولى تقول: (منذ 2012 ولد أكثر من 100 طفل بطريق تهريب النُطف)!! والجملة الثانية تقول: (طُرق التهريب تظل غامضة)!! والجملة الأخيرة تقول: (كل الأطفال تم التأكد من نسبهم)!! وبناء على الجملة الأخيرة أسأل: طالما أن كل الأطفال المائة تم التأكد من نسبهم، فلماذا تم إنتاج هذا الفيلم الذي يشكك في نسب هؤلاء الأطفال؟! هل من أجل التطبيع!! أم من أجل تمييع القضية الفلسطينية!! أم من أجل تجميل وجه الاحتلال!! أم من أجل إجهاض ابتكار النطف!! أم من أجل الإقرار بالواقع الصهيوني!! أم من أجل تشويه نضال الشعب الفلسطيني وتسفيهه!! الحقيقة أن الفيلم تم إنتاجه من أجل كل هذا، وإليكم الأدلة من الفيلم نفسه!!
1 – من المعروف أن زيارات أسر الأسرى تُعدّ من المعاناة الكبرى، ومنها الانتظار بالساعات بل وبالأيام على البوابات الحديدية! ولكن في الفيلم كانت الزيارة ومرور الأسر تسير بانتظام وهدوء وكأنهم في طابور لجمعية استهلاكية، لا يستغرق المرور فيه إلا دقائق معدودة! وهذا أمر مقصود لمن يشاهد الفيلم ليقول في نفسه إن الاحتلال رحيم القلب ومتعاون من أسر الأسرى، وليس غليظا كما يقول الفلسطينيون عنه!! حتى عمليات تفتيش الحقائب أو التفتيش الذاتي، ظهر في الفيلم وكأنه أمر روتيني طبيعي خال من أي إهانة أو إذلال، وهذا أمر يعكس مدى طيبة وأخلاق الاحتلال، وكأن الفيلم أراد تجميل وجه الاحتلال الصهيوني البغيض!!
2 – صور الفيلم حياة الأسير داخل زنزانته وكأنه يعيش عيشة الرفاهية الآمنة، فهو يحمل الموبايل ويتحدث فيه في كل الأوقات وفي كل الأماكن دون أي رقيب أو حسيب من السجانين الإسرائيليين، الذين لم يظهروا كثيراً، مما يعني أن ما نسمعه عن معاناة الأسرى داخل سجون الاحتلال أكاذيب ومبالغات من قبل الفلسطينيين، فالصهاينة آدميين يوفرون للأسرى كل سبل الراحة، ويسمحون لهم بالموبايل وتعليق صور أسرهم بالعشرات!!
3 – صور الفيلم أحقية أميرة في أن تشك في أي إنسان تظن أنه مارس الزنا مع أمها وأنجبها، حتى ولو طال الشك مدرسها في المدرسة، وطال أيضاً أعمامها .. أشقاء الأسير!! وهذا يعني أن الفيلم أراد أن يضع هذا الاحتمال – رغم إثبات كذبه – ليبث في عقول الشباب الفلسطيني الشك في أن الخيانة محتملة ومتوقعة داخل أسر الأسرى!! بل والشك في خيانة الأخ لأخيه الأسير!! والأهم الشك في نسب أطفال النطف المائة!!
4 – صور الفيلم أن الشعب الفلسطيني يعيش عيشة هانئة في ظل الاحتلال الرحيم! لذلك لم نر طوال الفيلم أي مظهر من مظاهر الاحتجاج أو النضال!! فلا مظاهرة ظهرت، ولا عملية فدائية حدثت، ولا حديث عن النضال والكفاح قيل، وكأن الفيلم يتحدث عن دولة أخرى غير فلسطين وعن شعب آخر غير الشعب الفلسطيني!! حتى عندما دار الحوار بين أميرة وعمها المناضل الأكبر، نجده يخبرها بأن أول كاميرا امتلكها وهو في سن العاشرة، وعندما كان يصور كان يقلده شقيقه – والدها – بأن جاء بصندوق طماطم وكأنه كاميرا وأخذ يقلد شقيقه المناضل!! أي نضال هذا الذي يتذكره العم!! أليس من الأجدى أن يروي لها عملياته الفدائية، وأن أباها قلده في الكفاح والنضال!! حتى سبب سجن والدها الأسير لم أعلمه ولن يعلمه أي مشاهد!!
5 – نهاية الفيلم كانت مفبركة في محاولة غسل الخيانة والتطبيع – مثل عملية غسل الأموال النجسة – عندما قررت أميرة القيام بعملية نضالية وتقتل فيها الجنود الإسرائيليين، فنجدها تسقط المسدس من يديها وكأنها تراجعت عن هدفها النضالي، وعندما هربت من الجنود، وجدنا الجنود الصهاينة في منتهى الذوق والطيبة، فلم يطلقوا عليها النار، بل حذروها مرة ومرتين وثلاث مرات ثم أطلقوا عليها طلقة واحدة فماتت!! إنها إنسانية ما بعدها إنسانية!! فالصهاينة حذروها ثلاث مرات لتتراجع، ولكنها لم تفعل وكان بيدها المسدس قبل أن ترميه أرضاً برغبتها! ولو كانت استعملته لربما قبلنا موقفها حتى ولو طاشت رصاصاتها!! أما الجنود الصهاينة الطيبين فلم يمطروها بوابل من الرصاص، ولم يمثلوا بجثتها، بل أطلقوا عليها رصاصة واحدة فقط فماتت!! ومن رحمتهم العظيمة لم يمثلوا بجثتها ولم يتركوا جثتها لساعات طويلة على الأرض، بل أخذوها معززة مكرمة إلى مشرحة المستشفى وغطوها، لأن احترام الميت واجب!! هكذا صور الفيلم الجنود الإسرائيليين!!
6 – أهم نقطة في الفيلم هي (التشكيك) في نسب أطفال النطف، أبناء الأسرى الرائعين!! وهذا التشكيك هو الطامة الكبرى! لأنه يعصف بابتكار غير مسبوق سيسجله التاريخ بحروف من نور، كونه ابتكاراً فلسطينياً لم يحدث في تاريخ البشرية!!
وبناء على ما سبق أقترح مستقبلاً – حماية لقضية فلسطين وخصوصيتها – ألا يتم إنتاج أي عمل سينمائي قبل عرض موضوعه بكل تفاصيله على الجهات الفلسطينية داخل فلسطين – وليس خارجها – لتوافق هذه الجهات على إنتاجه، فمكة أدرى بشعابها!! وهذا الاقتراح أقوله قياساً على الأعمال الفنية الدينية التي يؤخذ فيها رأي (الأزهر الشريف)!! فالقضية الفلسطينية تعد الآن أهم من أي قضية دينية!!