بقلم ابراهيم السيوف
بين مطارق الجغرافيا وسندان التاريخ تقف المنطقة اليوم على حافة لحظة فارقة تتجاوز في تعقيدها مجرد الحسابات العسكرية الضيقة لتصل إلى جوهر الصراع الاستراتيجي على السيادة والنفوذ وفي هذا المشهد المعقد يبرز التساؤل الجوهري حول سر الإحجام الأمريكي عن توجيه ضربة مباشرة لخاصرة المشروع الإيراني وهو تساؤل لا يمكن فك شفراته إلا عبر قراءة واعية تدرك أن القوة في هذا العصر لم تعد تقاس بحجم الانفجارات بل بمدى القدرة على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى الهاوية. إن التأخر في الحسم العسكري ليس مرده وهنا في الإرادة الغربية بل هو نتاج إدراك عميق بأن استقرار النظام الدولي يمر عبر موازنات دقيقة تشكل فيها الدبلوماسية الرصينة حائط الصد الأخير أمام الفوضى الشاملة وهنا تتجلى عبقرية الرؤية الهاشمية التي لطالما نادت بأن الحلول العسكرية العابرة للحدود لا تصنع سلاما مستداما بل تخلق فراغات أمنية تملؤها التطرف والعدمية فالأردن بقيادته الحكيمة يدرك تماما أن العبث بتوازنات القوى في الإقليم يشبه اللعب بالنار في حقل من القمح اليابس ولذلك نجد أن التردد الأمريكي في الصدام المباشر يتقاطع في أجزاء منه مع الحذر العربي والهاشمي تحديدا من مغبات تحويل المنطقة إلى ساحة صراع دولي مفتوح الاحتمالات.
إن القراءة الاستراتيجية العميقة توضح أن واشنطن تمارس اليوم ما يمكن تسميته بالاحتواء الذكي وهو بديل مكلف زمنيا لكنه أقل ضجيجا من الحرب المفتوحة حيث يتم استنزاف المقدرات الإيرانية عبر طوق من العزلة السياسية والضغط الاقتصادي المحكم مع ترك الباب مواربا أمام حلول دبلوماسية تحفظ ماء وجه الجميع وتجنب العالم كارثة طاقة لا تحمد عقباها وفي هذا السياق يبدو الدور الأردني كبيضة القبان التي تضبط إيقاع المنطقة بفضل دبلوماسية هادئة تمتاز بالأنفة والترفع عن الصغائر والقدرة على قراءة مابين سطور الأزمات العالمية مما جعل من عمان محجا للعقلاء ومنطلقا لكل مبادرة تسعى لتجنيب الشعوب ويلات حروب لا تبقي ولا تذر. إننا أمام مخاض عسير لشرق أوسط جديد لا يصاغ بالبارود وحده بل برؤى سياسية متقدمة تدرك أن تأخير الضربة هو في حقيقته استثمار في الوقت لإنضاج حلول سياسية قد تبدو بعيدة المنال الآن لكنها تظل الخيار الوحيد لتجنب انتحار جماعي للقوى الإقليمية. إن الأدب السياسي الرفيع يفرض علينا الاعتراف بأن القوة الحقيقية تكمن في ضبط النفس وفي تلك الدبلوماسية الهاشمية التي استطاعت عبر عقود أن تبحر بالسفينة وسط أمواج متلاطمة من الصراعات الطائفية والأيديولوجية مثبتة أن الحكمة والاتزان هما السلاح الأمضى في مواجهة الراديكالية والتهور السياسي.
السيوف يكتب : موازين الردع وبلاغة التأجيل: الثابت الهاشمي في خضم التحولات الكبرى






