بنك القاهرة عمان

اقتصادنا بين الحقيقة و الوهم …

27 مايو 2021
اقتصادنا بين الحقيقة و الوهم …

بقلم الكاتب بلال طوالبة

في حقيقة الأمر إن إدارة مفاصل الدولة لم تخضع يوماً لمنطق علمي مدروس تفضي بنا إلى الوقوف على مكامن الخلل، فديدن القائمين على شؤون الدولة يبرعون في تدوير المشاكل التي تتكشف وتظهر على الساحة بين الفينة والأخرى.
وهنا يطرح الأردني سؤاله الأزلي لماذا هذا الانحدار الذي تعاني منه الدولة؟ ويذهب بذاكرته إلى الخلف، لعله يلقى فسحة أمل في التاريخ، تجعله ينظر من منظور متفائل لا سوداوي لما هو آت.
تراهن الدولة وعبر أذرعها والقائمين عليها على عاطفة الشعب، وفطرته المجبولة على الدين والإرث المتوارث، والأصولية المتجذرة، لتعمل على تدوير المعضلات التي تعاني منها.
ويساعدها على ذلك نوعية الشعب الذي يجامل ويحابي على مستقبل مجهول، يتمنى بعاطفته أن تلعب الأقدار لعبتها للوصول إلى حلمه المنشود بالعيش الكريم، وتأمين احتياجاته كافة، والذي كان بالأمس واجب على الدولة القيام به من أجل شعبها
على نغمة الأمن والأمان يطرب المسؤول الأردني للهروب من فشله الذريع في أي ملف يسند إليه، ويعوّلج قبول الشعب لهذا الفشل بأن القوانين الناظمة لا تهيئ القنوات المناسبة للشعب لمحاسبة المسؤول، وأن طبيعة الشعب المخلصة تسير خلف عاطفة ووهم، قد سُوّغ نفسيا وسيكولوجيا، وقبول الواقع أمر حتمي، لعلنا لا نصاب بمكروه أعظم!.
تطل علينا اليوم أرقام العجز والدين العام الذي وصلت إليه الدولة، وويلات الناتج القومي، والناتج الإجمالي الذي يجعلنا على شفير الهاوية والسقوط المدوي.
فلن يسعف ربط العملة الاردنية بالدولار من سقوط العملة كما حدث في ثمانينيات القرن الماضي.
وهنا يتشكل مجلس اقتصادي مهترئ لا يملك أية رؤية اقتصادية ثاقبة لتعديل الكفة الاقتصادية، فالتشريعات التي تفضي إليها المجالس الاقتصادية المتعاقبة تشريعات هزيلة لا تحفز عملية الاستثمار أو تقومه، بل هي تشريعات في مجملها مثبطة وطاردة لرأس المال المحلي و الأجنبي!.
وهنا تتعالى أصوات المتباكين على الوضع الاقتصادي المزري الذي تمر به الدولة، فعوضا عن الانسياق خلف طرق علمية عمليه تنعش الاقتصاد، تلهث النخب الاقتصادية المعنية في أمور الاقتصاد إلى إيجاد مسوغات الفشل الذريع في قيادة الملف الاقتصادي.
هنا يبدو العجز مقننا، ويسير بقنوات تعمل لإغراق الدولة وإضعافها، مرتهنة إلى القوانين الناظمة المصحوبة بغفلة الشارع. وينعكس هذا الفشل والسقوط الاقتصادي على الدور السياسي للدولة سواء داخليا كان أو خارجيا . و ما الأحداث الأخيرة التي حصلت في المنطقة من اعتداء الكيان الغاصب على غزة إلا خير دليل على بعد النظام الرسمي الأردني عن الشارع والذي يمثله ردات فعل المسؤولين وتصريحاتهم المخجلة وما قام به الشعب من تحرك على مستوى الشارع للوقوف مع الأهل في فلسطين .
هنا نشعر بالإقصاء الذي تعرضت له الدولة والتي من المفترض أن تكون الشريك الحقيقي للقضية الفلسطينية إلا أن احتياجات الدولة وارتهاناتها الاقتصادية جعلتها حبيسة قرارات لا يمكن أن يتوقعها الشارع .
فالعوز المادي الذي تعاني منه الدولة سواء على ميزانيتها، وارتفاع دينها العام، وارتهانها إلى صندوق النقد الدولي، والدول المانحة كل ذلك جعل من القرار السياسي السيادي الأردني قرارا مستباحا يتحكم به الآخر.
ولعل أقل مطالب الشارع الأردني والتي تركزت على سحب السفير الأردني من تل أبيب و طرد سفير الكيان ورغم مذكرة مجلس النواب إلا أن الحكومة ضربت عرض الحائط بهذا المطلب رغم توجيه أصابع الاتهام للكيان من قبل رجالات الحكومة في أحداث سابقة مست الأردن.
هنا لا يمكن أن يكون الاقتصاد في معزل عن السياسة أاي بلد . فالبلاد التي تمتلك اقتصادا قويا وإن كان اقتصادا غير حقيقي هي دول تمتلك الإرادة السياسية الكاملة .

هنا يجب على رأس الدولة أن يلتقط الرسالة، ويلتفت إلى الشارع ومطالبه في إحداث ثورة في التشريعات الناظمة، ويطلق يد الحريات و القانون في اختيار المسؤول، وأن تكون الكفاءة والخبرة العلمية والعملية هي ديدن الاختيار، ليتسنى لنا العمل بما ينص عليه الدستور بأن الشعب مصدر السلطات.
اليوم نحن أمام اختبار حقيقي فإما نمضي في لملمة أركان الدولة واستعادتها لإعادة بنائها اقتصاديا واجتماعيا لنتمكن من إعادة الأردن السياسي القديم اللاعب المؤثر في المحيط أو سنصل إلى مرحلة لا يمكن لنا العودة فيها . وفي هذه الحالة يجب إعادة النظر في الدستور الأردني، وفي العديد من القوانين والتشريعات التي وضعت من غير دراسة موضوعية ونستعيد الدولة ممن عاثوا فيها فسادا .
حمى الله الأردن أرضاً و شعبا …