بقلم : مستشار التدريب والتطويرورئيس جمعية اسناد للديمقراطيه وحقوق الانسان الدكتور هشام محمد المصري
في الأول من أيار من كل عام، تتجه الأنظار إلى تلك السواعد التي بنت، وتبني، وستبقى تبني الأوطان؛ إلى العامل الذي يخرج مع شروق الشمس حاملاً همَّ أسرته، وحلم مستقبله، ورسالة وطنه. إنه يوم ليس للاحتفال فقط، بل للتقدير والوفاء والاعتراف بأن نهضة الأوطان لا تقوم إلا على أكتاف العمال، وأن الأوطان العظيمة لا تُبنى بالشعارات، بل بالعمل والإخلاص والانتماء.
عيد العمال ليس مناسبة عابرة في الروزنامة السنوية، بل هو محطة وطنية وإنسانية نستحضر فيها قيمة العمل، وكرامة الإنسان، ومعنى الإنتاج الحقيقي. فالعامل في المصنع، والمزارع في أرضه، والمعلم في مدرسته، والطبيب في مستشفاه، والمهندس في موقعه، والجندي في ميدانه، والموظف في مؤسسته، جميعهم شركاء في صناعة الوطن، وجميعهم يستحقون أن يُرفع لهم القبّعة احترامًا وتقديرًا.
حين نحتفل بعيد العمال، فإننا في الحقيقة نحتفل بعيد الوطن؛ لأن العامل هو نبض الاقتصاد، وركيزة التنمية، وعنوان الاستقرار الاجتماعي. فلا تنمية بلا عمل، ولا ازدهار بلا إنتاج، ولا مستقبل بلا سواعد تؤمن أن الوطن مسؤولية لا مجرد مكان للسكن.
لقد أثبت العامل الأردني، في كل المراحل، أنه نموذج في الصبر والإخلاص والتفاني. في أصعب الظروف الاقتصادية، وفي التحديات الإقليمية، وفي الأزمات الكبرى، بقي العامل الأردني ثابتًا، صابرًا، متمسكًا برسالته، مؤمنًا بأن الوطن يستحق التضحية. لم يكن مجرد موظف يؤدي واجبه، بل كان شريكًا في حماية الاستقرار، وصناعة الأمل، وحفظ كرامة المجتمع.
وفي ظل التحديث السياسي والاقتصادي والإداري الذي يشهده الأردن، تبرز أهمية الاستثمار الحقيقي في الإنسان؛ لأن الإنسان هو رأس المال الأغلى، والعامل هو حجر الأساس في أي مشروع نهضوي. فحين نحفظ للعامل كرامته، ونوفر له بيئة عمل عادلة، ونمنحه الأمان الوظيفي، فإننا لا نخدم فردًا فقط، بل نحمي مستقبل وطن كامل.
إن الحديث عن عيد العمال يجب ألا يقتصر على كلمات الشكر، بل يجب أن يتحول إلى سياسات عادلة، وتشريعات منصفة، وفرص حقيقية للنمو المهني والاجتماعي. فالعامل لا يحتاج فقط إلى الاحتفال به، بل يحتاج إلى حماية حقوقه، وتحسين ظروفه، وتقدير جهده، وتمكينه من العيش الكريم الذي يليق بكرامته الإنسانية.
وفي هذا اليوم، لا بد أن نتذكر أن العمل ليس مجرد وسيلة للكسب، بل هو قيمة أخلاقية ورسالة حضارية. فقد رفع الإسلام من شأن العمل، وجعل الساعي على رزقه في منزلة عظيمة، وربط بين الإيمان والإتقان، وبين العبادة والإعمار. فالوطن الذي يُبنى بالعمل الصادق هو وطن أقرب إلى العدالة، وأقرب إلى النهضة، وأقرب إلى رضا الله.
عيد العمال هو رسالة لكل شاب بأن النجاح لا يُورث، بل يُصنع. وأن الكرامة لا تُطلب بالتمني، بل بالسعي والاجتهاد. وأن الأمم التي تحترم العمل، هي الأمم التي تصنع التاريخ.
وفي زمن كثرت فيه التحديات، يبقى العامل هو خط الدفاع الأول عن الاقتصاد الوطني، وعن الاستقرار المجتمعي، وعن كرامة الأسرة الأردنية. ولذلك فإن تكريم العمال هو تكريم للوطن نفسه، والوفاء لهم هو وفاء للمستقبل.
كل عام وعمال الوطن بألف خير… كل عام وسواعد البناء شامخة… كل عام والوطن يزهر بإخلاص أبنائه…
فحقًا…
عيد العمال هو عيد الوطن.






