الإعلام شريك لا تابع

ساعتين ago
الإعلام شريك لا تابع


بقلم المستشار عمر الصمادي

لم تكن اللقاءات الأخيرة التي جمعت جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني حفظهما الله، مع مجلس نقابة الصحفيين وأعضائها، إضافة إلى الناشرين والكتاب، ورؤساء تحرير المواقع الإلكترونية الصحفية، مجرد لقاءات بروتوكولية عابرة، بل حملت في مضمونها رسالة عميقة وواضحة تؤكد على أهمية الإعلام ودوره المحوري في بناء الوطن وصون منجزاته.

هذه اللقاءات تعكس رؤية ملكية متقدمة تدرك أن الإعلام ليس أداة تجميل أو تزيين للواقع، بل هو سلطة رقابية وشريك أساسي في عملية الإصلاح والتنمية. فالإعلامي الرصين، بحكم موقعه، هو حارس البوابة للوطن، وهو الذي ينقل الحقيقة، ويرصد الخلل، ويعكس نبض الشارع، وهو في الوقت ذاته خط الدفاع الأول عن الوعي الوطني في مواجهة الإشاعات والتضليل.

غير أن هذه الرسالة الملكية السامية تصطدم أحيانا بممارسات بعض المسؤولين الذين لا يزالون ينظرون إلى الإعلام بعين الريبة أو التعالي، فيسعون إلى تهميشه أو احتوائه ضمن أدوار ضيقة لا تتجاوز الترويج لإنجازاتهم والتصفيق لقراراتهم.

هذا النهج العقيم لا يضر بالإعلام فحسب، بل يضر بالدولة نفسها، لأنه يضعف الثقة، ويغيب الشفافية، ويخلق فجوة بين المواطن والمؤسسة. لذلك فإن احترام الإعلام لا يكون بالشعارات، بل بالممارسة اليومية، من خلال الانفتاح، وتوفير المعلومة، والتعامل مع الصحفي كشريك لا كخصم. ولا يجوز أن يتناسوا أن الإعلام الحر والمسؤول هو صمام أمان، يساهم في تصويب المسار، ويعزز منعة الدولة، ويرسخ قيم المساءلة.

ومن هنا، فإن الرسالة الملكية من خلف هذا الاهتمام بالإعلام، وحتى ما ورد في كتب التكليف الملكي السامي لجميع الحكومات، يجب أن تكون بوصلة لكل من يعمل في الشأن العام، بأن الإعلامي ليس تابعا، ولا كاتبا فقط، ولا ناقلا للخبر فحسب، ولا يمكن لأي مسؤول اختزاله في دور المادح أو المروج، بل هو صاحب رسالة وشريك في تحمل المسؤولية الوطنية.

في النهاية، يبقى السؤال مشروعا: إذا كان رأس الدولة، جلالة الملك وسمو ولي العهد، يوليان اهتماما بتقدير مهنة الإعلام ويؤكدان ضرورة احترام هذا الدور، فمن يملك الحق في إقصاء الإعلاميين أو التقليل من شأنهم؟ وما بين الرؤية الملكية وممارسات التهميش: أين يقف الإعلام؟

الإجابة يجب أن تكون واضحة: لا أحد.
ومن يهمش الإعلام يضعف وطن فلا اصلاح بدون رقابة اعلام قوي وحر

في الختام، يبقى الإعلام مرآة الأردن وصوت الشعب، ولا يمكن تهميشه أو اختزاله في أدوار ضيقة دون أن ينعكس ذلك سلبا على الدولة نفسها.

فالإعلام الحر والمسؤول ليس عبئا، بل ركيزة أساسية في بناء الثقة وتعزيز الشفافية وترسيخ دولة المؤسسات. وعليه، فإن المرحلة تتطلب ترجمة حقيقية للرؤية الملكية إلى ممارسات فعلية، تعيد للإعلام الى مكانته كشريك أصيل في مسيرة الإصلاح والتنمية، لا تابعا ولا مكملا، بل قوة فاعلة في حماية الوطن وصون مستقبله.