وطنا اليوم:يخيم صمت غير معتاد على مراسي القوارب المخصصة لرياضة الغوص، بينما كانت حتى وقت قريب، تعج بالحركة والنشاط، وتصدح منها ضحكات السياح الأجانب والمحليين وهم يستعدون لاكتشاف أسرار الأعماق المرجانية، حيث باتت اليوم تقف شاهدة على أزمة تعصف بواحد من أهم القطاعات السياحية في المدينة الساحلية.
مراكز الغوص، التي تعد الشريان الحيوي للسياحة البحرية، تجد نفسها اليوم تصارع أمواج الركود العاتية، في ظل غياب شبه تام للسياحة الخارجية، وحركة سياحية داخلية توصف في أحسن أحوالها بـ”الخجولة”، مما يهدد بإغلاق أبواب العديد من هذه المنشآت وتشريد مئات العاملين فيها.
ولطالما اعتمدت مراكز الغوص في العقبة بشكل أساسي على السائح الأجنبي، وخاصة الأوروبي، الذي يرى في البحر الأحمر، وتحديدا خليج العقبة، ملاذا دافئا وبيئة بحرية فريدة تضم مئات الأنواع من المرجان والأسماك النادرة، إلا أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة، والظروف الاقتصادية العالمية المتذبذبة، ألقت بظلالها الثقيلة على حركة الطيران العارض والسياحة الوافدة.
يقول أحد العاملين في قطاع الغوص، محمد الخلايلة “لقد كنا في مثل هذا الوقت من العام نعمل كخلية نحل، ولم يكن لدينا وقت حتى لتناول وجبة الغداء، لا سيما أن السياح من ألمانيا وبريطانيا وروسيا وإيطاليا كانوا يتوافدون بأعداد كبيرة، واليوم تمر الأيام والأسابيع دون أن يدخل مركزنا سائح أجنبي واحد”، مشيرا إلى “أن السياحة الخارجية تبخرت، وتركتنا نواجه التزاماتنا المالية من إيجارات وتراخيص وصيانة معدات بجيوب خاوية”.
ويضيف الخلايلة “أن الكلف التشغيلية الثابتة لا ترحم، فمن معدات الغوص التي تحتاج إلى صيانة دورية سواء استُخدمت أم لم تُستخدم، إلى القوارب التي تحتاج إلى رسوم اصطفاف وتأمين، مؤكدًا: “نحن الآن ننزف ماليًا بصمت، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه لعدة أشهر أخرى، فإن أكثر من نصف مراكز الغوص في العقبة ستعلن إفلاسها وتغلق أبوابها إلى الأبد.”
وفي ظل غياب السائح الأجنبي، حاولت مراكز الغوص توجيه بوصلتها نحو السائح المحلي، وتقديم عروض ترويجية وتخفيضات هائلة لجذب المواطنين لتجربة الغوص ضمن حملات مبرمجة، أهمها حملة “روحها يترد الروح”، ورغم أن عطلات نهاية الأسبوع تشهد تحسنا طفيفا في أعداد الزوار القادمين من العاصمة عمان والمحافظات الأخرى، إلا أن هذه الحركة توصف بـ”الخجولة” والموسمية، ولا تكفي لتغطية النفقات الأساسية للمراكز.
وتؤكد الزائرة من عمان، تمارا حداد، أن الغوص تجربة رائعة وممتعة، لكنها تعتبر من الكماليات في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وارتفاع تكاليف المعيشة، مشيرة إلى أن العائلة الأردنية التي تقصد العقبة تفضل إنفاق ميزانيتها المحدودة على السكن والطعام وتجربة القوارب الزجاجية التقليدية التي تعتبر تكلفتها في متناول اليد.
وأضافت حداد، أن دفع مبلغ يتراوح بين 30 إلى 50 دينارا للشخص الواحد لتجربة غوص لمدة نصف ساعة يعد أمرا مرهقا لميزانية أسرة مكونة من أربعة أو خمسة أفراد.
المدربون الحلقة الأضعف
من جهته، يؤكد ذلك الخبير الاقتصادي والسياحي، الدكتور خالد العمري، أن ثقافة الغوص كرياضة مستدامة لم تتجذر بعد في المجتمع الأردني بالشكل المطلوب، في وقت ما زال السائح المحلي ينظر إلى الغوص على أنه تجربة تفعل مرة واحدة في العمر (تجربة استكشافية)، وليس كرياضة تتطلب الحصول على رخص دولية وممارستها بانتظام، وهذا يجعل الاعتماد على السياحة الداخلية لإنقاذ قطاع الغوص رهانا خاسرا في الوقت الحالي، خاصة مع تراجع القدرة الشرائية للمواطن وتآكل المداخيل وارتفاع المحروقات.
ولعل الحلقة الأضعف في هذه الأزمة هم مدربو الغوص، ومعظمهم من الشباب الأردنيين الذين وجدوا في هذه المهنة شغفا ومصدر رزق، ذلك أن هؤلاء الشباب، الذين أنفقوا آلاف الدنانير وسنوات من أعمارهم للحصول على شهادات التدريب الدولية من منظمات مختلفة، يجدون أنفسهم اليوم بلا عمل، يراقبون البحر بحسرة وينتظرون فرجا يبدو بعيدا.
بهذا الخصوص، بين الشاب سامي الكسواني أنه “بنى أحلامه كلها على هذه المهنة، مشيرا إلى أنه كان يجني دخلا ممتازا خلال المواسم السياحية السابقة، مما شجعه على أخذ قروض بنكية لتطوير مهاراته وشراء معدات تصوير تحت الماء لتقديم خدمات إضافية للسياح”، مضيفا “اليوم أنا عاجز عن سداد أقساط البنك، ودخلي انخفض بنسبة تتجاوز 80 %”.
وأكد الكسواني “أن بعض زملائه تركوا البحر وبدأوا يعملون في تطبيقات التوصيل، والبعض الآخر يبحث عن عقود عمل في دول خليجية مجاورة، وبالتالي نحن نفقد كفاءات وطنية مدربة تدريبًا عاليًا بسبب هذا الركود القاتل”.
كما أشار إلى “أن مهنة مدرب الغوص لا تقتصر على مرافقة السياح تحت الماء، بل تتضمن مسؤولية كبيرة عن أرواحهم، وتتطلب لياقة بدنية عالية وتحديثا مستمرا للمعلومات والمهارات”، متسائلا في الوقت ذاته “كيف يمكن لمدرب محبط ماليا ونفسيا أن يحافظ على شغفه وتركيزه؟”.
ولا تتوقف أزمة مراكز الغوص عند حدود الشواطئ، بل تمتد لتضرب قطاعات اقتصادية أخرى في العقبة في ظاهرة تعرف بـ”تأثير الدومينو”، وقطاع الغوص مرتبط ارتباطا وثيقا بقطاعات النقل السياحي والفنادق والمطاعم ومحلات بيع وصيانة المعدات البحرية.
ماذا عن الجانب البيئي؟
وفي خضم هذه الأزمة الخانقة، يبرز جانب آخر للمعادلة، وهو الجانب البيئي، فمع تراجع أعداد الغواصين والقوارب، تشهد الحيد المرجاني في العقبة فترة من “الراحة البيولوجية” غير المسبوقة، إذ إن غياب النشاط البشري المكثف قلل من حوادث تكسير المرجان غير المتعمدة، وخفف من التلوث الناتج عن محركات القوارب والنفايات البلاستيكية.
ومع ذلك، يحذر الخبراء البيئيون من أن هذا الجانب الإيجابي قد يكون مؤقتا ومحفوفا بالمخاطر، فمراكز الغوص كانت تلعب دورا محوريا في حماية البيئة البحرية، من خلال تنظيم حملات تنظيف دورية لقاع البحر (Clean-up dives)، ومراقبة التعديات على الثروة السمكية والمرجانية وإبلاغ الجهات البيئية عنها، ومع تراجع نشاط هذه المراكز، تفقد البيئة البحرية حراسها الطبيعيين الذين كانوا يعتبرون البحر مصدر رزقهم الأول ويستميتون في الدفاع عن نظافته واستدامته. وأمام هذا المشهد المعقد، يتفق خبراء السياحة وأصحاب الشأن على أن الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعا، والمطلوب اليوم هو إستراتيجية وطنية شاملة لإنقاذ قطاع الغوص وإعادة هيكلته ليكون أكثر مرونة في مواجهة الأزمات.
ومن بين المقترحات التي يطرحها العاملون في القطاع، دمج رياضة الغوص في المناهج اللامنهجية للمدارس والجامعات الأردنية لخلق جيل جديد يقدر البيئة البحرية ويمارس الغوص كرياضة وطنية، بالإضافة إلى ذلك، هناك دعوات ملحة لإنشاء “صندوق مخاطر السياحة البحرية”، يساهم فيه القطاعان العام والخاص، ليكون بمثابة شبكة أمان مالي لمراكز الغوص والعاملين فيها خلال فترات الركود والأزمات القاهرة.






