د . راشد الشاشاني
قبل اكثر من عام قلنا : ان ترامب تخطّى كل المعايير والبروتوكولات العسكرية وتجاوز كل مألوفها محطّما ثوابتها بتعيين هيغسيث وزيرا للدفاع آنذاك ، برغم ضجّة ضعف خبراته وتجاوز الأجدر ؛ بهدف تأمين ليونة تمكنه من قلب تقاليد العلاقات الدولية ، لحسم ملفات راكدة منذ عشرات السنين بلحظات وفقا لاعتقاده ، اعتمد في السياسة على مبادئه التجارية التي تخطّت سرعتها كل اشارات التحذير السياسي ؛ أودت به في ورطة حرب فاجأته حساباتها ، و مستنقع استحالة التقدّم و صعوبة التراجع معا الذي حوّل مهمة دفع الصخرة من سيزيف الى ترامب .
ليونة التكتيك التجاري – التي تهدم حكما صلابة الاستراتيجيا السياسية – لم تكتفِ بفرط عقد اركان حكم ترامب – وفقا للإقالات التي لم تصل نهايتها بعد – بل دفعته الى رسم توقعات مخالفة لواقعه السابق ، حين اقدم على حربه مدعوما بتأييد فريقه صاحب علامة ” هزّ الرؤوس ” أقصد : وهم توسّل ايراني عالي المستوى بعد الضربة الاولى ؛ يحسم معركته ويحقّق اهدافه بضربة حجر . سرعان ما تضخّم هذا الحجر حتى بات عاجزا عن حمله ، ليس بفضل تجدّد قيادة ايران الاكثر اقداما فقط ،؛ بل بتهورها احيانا ، استذكر مقولتي : ” عمرو حكيم ما رجّع حق “
حالة الذهول التي اصابت ترامب ؛ اضطرته للضرب يَمنة ويَسرة بشكل عشوائي ، أظهرت اخر التطوّرات ان القوة الايرانية ـ خلافا لتصريحات ترامب اليومية ـ لا زالت تحتفظ بقدر عال من القدرة على الدفاع والهجوم ، سيما مع اسقاط طائرتي f-15E و A-10warthog و مأزق انقاذ الطيار ، وضخامة العملية التي شاركت فيها قوة تكفي لحرب كاملة ؛ صوّر فيها ترامب – بطريقة المبالغة – نصرا لم يكن بحاجة لخوض معركته التي كلّفت ملايين الدولارات ، علاوة على مخاطر الاصابات والمجازفة التي قلنا سابقا انها نتيجة حتمية لاستمرار ضربات الجو لأكثر من ثلاثة ايام ، ناهيك عن حصول ايران على اسرار تقنية من الحطام ، حاول ترامب التشويش على هذه الحقيقة بادعاء تدمير طائرات شاركت في العملية في مقابل تأكيد الحرس الثوري على تدمير اربع مقاتلات امريكية اثناء العملية وحدها .
في ذات السياق : لم يكن ضرب الجسور هدفا في ذاته بقدر ما كان تعبيرا عن حالة التيْه العسكري الأمريكي الذي ضلّ طريق العودة وطريق الوصول معا ، هذه التطورات الاخيرة كشفت ان الامر لم يقتصر على رفض رئيس الاركان القيام بعملية بريّة اصطدم فيها مع وزير الحرب ؛ بل ربما فشله في اقتناص فرصة للتدخل البري بطريقة ما – وفقا لاعتقاد الادارة الامريكية بطبيعة الحال – افشلها الاحتراز الايراني ؛ وهو ما يفسر اسقاط طائرة A-10 warthog التي تخدم هذا النوع من العمليات ، وإن تلا اقالة جورج .
لا تروق لنا فكرة ابعاد رئيس الاركان لكونه احد اعضاء فريق وزير الدفاع السابق الديمقراطي اوستن ؛ فكرة كهذه لا تبقيه في منصبه حتى اللحظة ، بل وفي منتصف المعارك ، امّا عن الخبرة التي يدافع فيها عنه البعض : فقد تمت تجربتها في ميادين العراق و افغاتستان التي لم تكن فيها تجربة الولايات المتحدة اكثر من فاشلة كما هي تجربته في ايران.
تقول نظريتنا : ان مكوث شخص في مكان واحد يتلقى الاوامر مدة تزيد عن ثلاث سنوات تجعل منه عبئا عليه ؛ تلتقي هذه النظرة مع فكرة الليونة التي يتعامل بها ترامب ؛ لكنها تختلف عنها في ميادين التطبيق ؛ فالليونة تكون في الادوات لا في الاستراتيجيات ، بينما يفعل ترامب العكس ، انه لا يقبل بالصبر ، ولا بالخسارة ولا بالمغامرة ولا بالتحمّل ، يسعى الى المضمون ، و المضمون للضعفاء وليس للقادة .
يعي راندي منذ بداية الحرب مدى خطورة الهجوم البري و قد ابلغ مسؤوليه حتما ، استمر هذا الصدام حين اشتدت الحاجة الى عمل اضطراري خارج عن حسابات الهدوء ؛ استلزمته مفاجأة الاحداث التي ايقظت ترامب الذي ادرك وحدته في مواجهة العالم ، يتاكّد من عزل رئيس الاركان وحشد مزيد من الترسانة ، ان هناك عمل بري يتسابق مع مهلة الاسبوعين الى ثلاثة التي حددها ترامب ، يتطلب هذا السباق احداث خرق في حالة الترنّح الامريكي ، وهو ما ينتظره مسرح الاحداث في القادم القريب ، لكن حسابات ظهور القوة الايرانية في مسرح الجو ، و مفاجآت التسلّح التي امتدت حتى اذرعها في لبنان وغيرها ؛ جعلت من مهمة ترامب القادمة المتهورة اكثر انفلاتا من عقال التهوّر .
ليونة اركان حكم ترامب تنحصر في مقدار تحكّم ترامب بها لا في قدرتها على التعامل ، تحكّم ترامب هذا تحدّد نسبته بمقدار تنفيذ المهمة المطلوبة عند اختراق كل ثوابت التعامل مع الحالة المشابهة ، بمعنى ان التعامل ان لم يكن يتطلب اختراقا مباغتا فالأمر لا يعني ” مهمّة ” بالنسبة لترامب ؛ بالتالي لا لزوم لصاحب هذا التصرف ، ينطوي تحت هذا ما يُشاع حول اعتدال او ليونة فانس حين شاعت فكرة تقبل ايران للتفاوض معه ، لقد كان حاضرا حين جمعت وطرحت حسابات الحرب والسياسة ولم يظهر اعتراضه ، لقد فشل هو الاخر في مهمّته ؛ ارادت ايران من هذا شقّ الصف ليس إلّا كما فعل ترامب مع قاليباف .
أخيرا : كشف مجموع هذه الحالات عن انهيار مصداقية استخبارات الجيش الامريكي التي قررت انتهاء القوة العسكرية الايرانية وتدمير اساطيلها وحدّدت بقدرتها ” المتوهمة ” كمية اليورانيوم المخصّب ، ومقدار تخصيبه ، واماكن تخصيبه وتخزينه ، وكيفية هذا التخزين ، بطريقة انهارت معها كل عناصر ثقتها ، في ذات الوقت الذي لا يملك فيه احد اي دليل عملي يمكنه به اقناعنا بصدق هذه المعطيات سوى ما يتداوله اصحاب الاراء ؛ استنادا لما سبق : من لا يتمكن من رصد مضادات اسقاط طائرات شبحيه لا يمكنه مراقبة اليورانيوم او نقله ، ليس هذا فقط ؛بل يعيد هذا الكشف طرح كل الاهداف التي تم الحديث عن تحقيقها عند معامل اختبار المصداقية .






