تغيّر المزاج الخليحي بعد مؤتمر ميامي

ساعتين ago
تغيّر المزاج الخليحي بعد مؤتمر ميامي

د . راشد الشاشاني

لم تكن ـ في نظرنا – خاصة بالسعودية كلمات ليندسي غراهام في مقابلة تلفزيونية قبل اسابيع حين قال : انهم ” يرجعون الى الوراء ” كما لم تكن مخصّصة لها وجهة نظره حول الايام الحاسمة القادمة حين اجاب بعد سؤاله عن السعودية : بأن ” على الجميع القبول بالواقع” ليست مهمة تفاصيل هذه النظرة بقدر اهمية النظرة السعودية ومعها الخليجية الى مشهد الاحداث ، وكيفية التعامل مع اطراف النزاع بعد تصريحات ترامب في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار ، سيّما مع موقف هذه الدول المؤكّد صباح مساء حياده في الحرب الدائرة .

لم يشفع حياد هذه الدول ومعها السعودية في حمايتها من ضربات ايران ؛ حين ارادت خنق الولايات المتحدة في هجوم لم يكن متوقعا ، وارغامها على التراجع وفقا لظاهر المشهد ، لكن الحقيقة التي تكشّفت مؤخرا ؛ أظهرت نيّة مبيّتة لدى ترامب في تأزيم وضع دول الخليج الى الحد الذي تُرغم فيه على الانقياد الى التطبيع مع اسرائيل ، والتنازل عن السقوف العالية التي حددتها للسير في هذا الاطار ، وتشكيل التحالفات اللازمة له .

هذه الانكشافة : كانت اكثر وضوحا من تلك العبارات التي كانت تشي بأن مديح ترامب لايكون مجانيا ، ولا من اجل سواد العيون ، لقد كان ذلك : حين لم يلتفت احد لبضع كلمات طرحها ترامب أرضا ؛ خطّ بها سيره هذا ، حينما صرّح بطريقة الهمس في اذن اردوغان حول انجازه التاريخي بالاستيلاء على سوريا من خلال فصائل تابعة له .

الدفع نحو التطبيع لم يكن هاجسا بحد ذاته في هذه المحطة ؛ ففكرة التقاء الانسانية عند مساحة تفاهم وتعاون فكرة جميلة ، واذا اضفنا الى ان هناك دول دخلت اتفاقيات ” ابراهام ” فعلا فان التركيز على هذه النقطة كمحور تخوّف لايبدو عمليا ، اذا اردنا فهم حقيقية المخاوف التي بدت فجأة قبل ساعات من الان ؛ علينا ان نعيد تمحيص تقبّل ترامب لاتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية التي حاولت فيها السعودية ادارة الظهر للاحتكار الامريكي ، هذا من جهة تخصّ السعودية ؛ وان كانت حسابات كهذه تلقي بظلالها على بقية الدول .

اضف الى ذلك فكرة ترامب التي أنشأ بموجبها مجلس السلام ، ترامب لن يستطيع ادارة الحروب بعد انتهاء ولايته ، لكن يمكنه ” السيطرة على الحروب ” او ادارة السلام من خلال مجلسه هذا ؛ مُعتليا به اسرائيل منصة لفرض سلطاته القادمة بعد انتهاء الولاية .

بدت مخاوف الخليج هذه في محالات عدّة ؛ لم تنتهِ عند حد التصريح على فضائيات عربية محسوبة على انظمتها : بأن الاعتقاد بمؤامرة امريكية إسرائيلية ايرانية ؛ تهدف الى تأزيم وضع دول المنطقة عموما والخليج خصوصا بات أمرا معقولا ؛ سيّما مع سماح ايران بمرور عشرة سفن ، بالاضافة الى عشرين تحدث عنها ترامب قبل ساعات ، اذا ما اقترن هذا بتصريحات الرئيس المصري حول مناشدته ترامب : بأنه ” الوحيد القادر على انهاء الحرب ” يمكننا القول : ان التعامل الخليجي مع اطراف الحرب ، وطرق انهائها سوف سيتغيّر ، لكن علينا ان نعي تماما أن هذا التغيير سوف يُجبر ترامب – المُجبر اصلا على المضي في حربه ولو كلّف ذلك غزوا بريا عالي الخطورة – على تغيير تعامله مع اطراف المنطقة.

أخيرا نقول : حتى ترامب ذاته لن يستطيع انهاء الحرب ؛ انه يسير مجبرا بعد فشله وهو ما يفسّر تناقض تصريحاته التي تحكمها لحظات تبدّل ميادين الداخل والخارج ؛ لكنه مع ذلك سيُجهض جهود باكستان وتركيا والسعودية ومصر للتهدئة ، سيترك صناعة السلام وإطفاء الحروب ماركة مسجلة باسمه وحده .