السفير نصار الحباشنة … رجل وطني بحجم الدبلوماسية الأردنية

ساعتين ago
السفير نصار الحباشنة … رجل وطني بحجم الدبلوماسية الأردنية

وطنا اليوم _

كتب: ليث الفراية

في مسيرة الدولة الأردنية ، هناك رجال لا تنتهي أدوارهم بانتهاء مناصبهم، ولا يُختصر حضورهم بسنوات الخدمة الرسمية، بل يتحولون إلى جزء من الذاكرة الوطنية التي تُستعاد كلما ذُكرت المهنية، والاتزان، والقدرة على تمثيل الدولة بوعيٍ عميق يتجاوز الشكل إلى الجوهر ومن بين هذه النماذج، يبرز اسم السفير السابق نصار إبراهيم الحباشنة، الذي أنهى خدمته الدبلوماسية العام الماضي، لكنه لم يُنهِ حضوره، لأن من يصنع الأثر لا يغادره.

لم يكن الحباشنة دبلوماسيًا تقليديًا يكتفي بإدارة العلاقات ضمن حدود البروتوكول، بل كان رجل دولة يفهم أن الدبلوماسية الحديثة لم تعد تدار من خلف المكاتب، وإنما تُبنى في المساحات التي تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد، والمصالح مع الثقة، والدولة مع الإنسان ومن هذا الفهم، جاءت تجربته في تمثيل الأردن لدى الإمارات العربية المتحدة مختلفة، قائمة على الحضور الفاعل لا الشكلي، وعلى المبادرة لا الانتظار.

لقد أدرك الحباشنة مبكرًا أن العلاقة الأردنية الإماراتية ليست مجرد علاقة بين حكومتين، بل هي حالة متقدمة من التلاقي العربي، تُدار بحسّ استراتيجي يتطلب دبلوماسيًا قادرًا على قراءة التفاصيل الدقيقة دون أن يفقد رؤية الصورة الكبرى ولذلك، لم يقتصر دوره على متابعة الملفات الرسمية، بل كان حاضرًا في مفاصل متعددة، من تعزيز التعاون الاقتصادي، إلى دعم المبادرات المشتركة، وصولًا إلى ترسيخ حالة من الانسجام السياسي الذي ينعكس إيجابًا على مجمل العلاقات.

ولعل ما يُحسب له، أنه لم يسمح للمنصب أن يعزله عن الناس، بل جعل منه وسيلة للانفتاح عليهم. فكان قريبًا من الجالية الأردنية، متابعًا لشؤونها، مدركًا أن المواطن في الخارج لا يبحث فقط عن معاملة رسمية، بل عن شعور بالانتماء والاهتمام، وهو ما عمل الحباشنة على ترسيخه عبر حضور إنساني واضح، جعل من السفارة مساحة تواصل لا مجرد مؤسسة.

وفي سياقٍ لا يخلو من التحديات، استطاع أن يُدير الملفات بحكمة وهدوء، بعيدًا عن الاستعراض، وقريبًا من النتائج وهي سمة لا يمتلكها إلا من يدرك أن الدبلوماسية الحقيقية لا تُقاس بما يُقال في العلن، بل بما يتحقق في العمق، حيث تُصنع القرارات وتُبنى الثقة لذلك، لم يكن مستغربًا أن يحظى بتقدير رسمي في دولة اعتمدت معايير دقيقة في تقييم الأداء، ليأتي تكريمه بوسام رفيع ليعكس حجم الأثر الذي تركه، لا على مستوى العلاقات فقط، بل على مستوى الصورة التي قدّم بها الأردن.

ومع تقاعده العام الماضي، قد يظن البعض أن صفحة قد طُويت، لكن الحقيقة أن التجارب العميقة لا تُغلق، بل تتحول إلى مرجع يُستند إليه. فالدبلوماسي الذي ينجح في بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، ويُرسّخ حضور بلده بثبات واتزان، لا يغيب، بل يبقى حاضرًا في كل ما تم بناؤه خلال سنوات عمله.

إن الحديث عن نصار الحباشنة هو حديث عن نموذج دبلوماسي ناضج، يُجسد فكرة أن تمثيل الدولة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وظيفة، وأن الحفاظ على صورتها في الخارج يتطلب شخصية قادرة على الجمع بين الحزم والمرونة، بين الثبات والانفتاح، بين الانتماء العميق والوعي العالمي .

تبقى الحاجة قائمة إلى رجال من هذا الطراز، رجال يعرفون كيف يتحدثون باسم أوطانهم بثقة، وكيف يحققون الإنجاز دون استعراض، وكيف يغادرون مواقعهم تاركين خلفهم أثرًا لا يُمحى.

نصار الحباشنة ليس مجرد سفير تقاعد، بل تجربة دبلوماسية مكتملة، تُثبت أن القيمة الحقيقية لأي موقع لا تكمن فيه، بل فيمن يشغله، وكيف يتركه بعد أن يغادره.