بقلم محمد مطلب المجالية
في زمنٍ تختلط فيه الأصوات، ويضيع فيه الحدّ الفاصل بين الرأي الحرّ والاصطفاف المريب، يخرج علينا بعض الكتّاب والإعلاميين بخطابٍ يثير الحيرة أكثر مما يقدّم الحقيقة. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الإعلامي الجالس في لندن ، الذي تحوّل في السنوات الأخيرة – في نظر كثيرين – من صاحب رأيٍ صحفي إلى صوتٍ يتحدث بحرارةٍ لافتة دفاعًا عن سياسات إيران ومواقفها، حتى بدا وكأنه يشنّ معاركه الكلامية نيابةً عنها.
فالكاتب الذي يفترض أن يكون ضمير أمته ولسان حال قضاياها الكبرى، بات يظهر في خطابٍ متشنج يبرّر أفعال طرفٍ إقليمي، ويقدّمها وكأنها خلاص الأمة وطريق نجاتها. وهذا التحوّل في الخطاب يثير أسئلةً مشروعة: متى أصبح الدفاع عن مصالح الدول الأخرى واجبًا يفوق الدفاع عن قضايا الأمة العربية نفسها؟ ومتى صار التطبيل السياسي بديلاً عن التحليل الموضوعي؟
إن الإعلام الحقيقي لا يقوم على التحريض ولا على الاصطفاف الأعمى، بل على قراءة الوقائع بميزانٍ من العقل والمسؤولية. أما حين تتحول المنابر الإعلامية إلى ساحات تعبئةٍ سياسية، يعلو فيها صوت الانفعال على صوت الحكمة، فإنها تفقد دورها التنويري، وتصبح أقرب إلى منصات الدعاية منها إلى الصحافة الحرة.
لقد اعتادت الأمة العربية أن ترى في مثقفيها وأصحاب الأقلام الحرة مرآةً لآلامها وآمالها، لا أبواقًا لغيرها. فالقلم الذي يُستأجر لمعارك الآخرين يفقد قيمته، ويغدو مجرد أداةٍ في صراع لا يخدم الحقيقة ولا يصون كرامة الكلمة.
وما يزيد المشهد غرابة أن هذا الخطاب المتحمّس يقدَّم أحيانًا وكأنه موقف قومي أو مقاوم، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا من تلك الشعارات المختزلة. فالقضايا الكبرى لا تُختصر في اصطفافاتٍ إعلامية، ولا تُبنى على خطابٍ انفعالي يستعدي الأمة على نفسها ويزرع مزيدًا من الانقسام.
إن الأمة العربية اليوم أحوج ما تكون إلى صوتٍ عاقل يقرأ المشهد بعينٍ ناقدة لا بعينٍ متحمسة لطرفٍ دون آخر، وإلى قلمٍ حرّ لا يتخذ من الانفعال وسيلةً للظهور ولا من الصخب طريقًا إلى الشهرة.
فالتاريخ لا يذكر الضجيج العابر، لكنه يحفظ المواقف التي انحازت للحقيقة دون خوف، وللأمة دون مقابل.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون:
هل ما نسمعه من بعض المنابر الإعلامية هو رأيٌ مستقل، أم صدى لمواقف تُصاغ في أماكن أخرى؟






