الحرب… والأزمات الاقتصادية

ساعة واحدة ago
الحرب… والأزمات الاقتصادية

شماعة الظروف
في كل مرة تضيق فيها السبل، وتظهر الاختلالات على السطح، نُسارع – بلا تردد – إلى تعليق كل شيء على شماعة الظروف. حرب هنا، توتر هناك، أزمة عالمية، أو صراع إقليمي… فنرتاح قليلاً من عناء المواجهة، ونؤجل السؤال الأهم: ماذا عنّا نحن؟
الحرب، بلا شك، قاسية، تترك آثارها الثقيلة على الاقتصاد والسياسة والمجتمع، وتعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات. لكنها، في كثير من الأحيان، تتحول في خطابنا إلى مبررٍ شامل، نُخفي خلفه عجزنا عن الإصلاح، ونُبرر به أخطاءنا المتراكمة، وكأنّ كل ما نعانيه اليوم وُلد فجأة مع اندلاعها.
الأزمات الاقتصادية ليست وليدة لحظة، ولا نتاج حربٍ عابرة فقط، بل هي حصيلة سنوات من السياسات المرتبكة، والتخطيط القاصر، وغياب الرؤية طويلة الأمد. هي نتيجة إدارةٍ لا تملك أدوات الاستباق، ولا جرأة التصحيح، فتنتظر الصدمة لتُعلّق عليها الفشل، بدل أن تكون قد استعدّت لها أو خفّفت من آثارها.
نُحمّل الحرب مسؤولية التضخم، وارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، وتآكل الطبقة الوسطى، لكننا نتغافل عن حقيقة أن اقتصاداتٍ أخرى، واجهت الظروف ذاتها، وخرجت بأقل الخسائر، لأنها امتلكت أدوات الإدارة الرشيدة، والشفافية، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
إنّ أخطر ما في “شماعة الظروف” أنها تُخدّر الوعي، وتُعفي المسؤول، وتُربك المواطن، وتُبقي الحال على ما هو عليه. فحين تصبح كل أزمة خارجية مبررًا جاهزًا، فإننا نفقد القدرة على التمييز بين ما هو مفروض علينا، وما هو نتيجة تقصيرنا نحن.
الحرب تكشف، ولا تخلق من العدم. تُظهر مكامن القوة كما تفضح مواطن الضعف. فإن كنا نمتلك بنية اقتصادية صلبة، وإدارة واعية، ومؤسسات قادرة، فإننا سنصمد، وربما نستفيد من التحولات. أما إذا كانت الهشاشة هي الأصل، فإن أي أزمة – مهما كانت بعيدة – ستتحول إلى عاصفة داخلية.
لقد أصبح من السهل أن نقول: “الظروف لا تسمح”، و”الحرب أثّرت”، و”الأوضاع العالمية ضاغطة”، لكن الصعب – وهو الأجدر – أن نسأل: ماذا فعلنا قبل ذلك؟ وأين كنا حين كان بالإمكان تجنب جزءٍ من هذه الأزمات؟ ولماذا تتكرر الأخطاء ذاتها كل مرة؟
إنّ الاعتراف بالخلل ليس ضعفًا، بل بداية الإصلاح. ومواجهة الحقيقة، مهما كانت قاسية، خير من الاحتماء بوهمٍ مؤقت. فالأمم التي تتقدم لا تبحث عن شماعات، بل عن حلول. لا تبرر الفشل، بل تُراجعه وتُصححه.
الحرب قد تكون ظرفًا طارئًا، لكن تحويلها إلى شماعة دائمة، هو الخطر بعينه. لأنه يعني ببساطة أننا لا نريد أن نرى أنفسنا في المرآة، ولا نملك الشجاعة لنُسمّي الأشياء بأسمائها.
وفي نهاية المطاف، ستنتهي الحروب، وتُطوى صفحات الأزمات العالمية، لكن السؤال الذي سيبقى: هل كنا نُدير أزماتنا، أم نُدير خطابًا يبررها؟
ذلك هو الفرق بين من يصنع المستقبل، ومن يكتفي بتعليق إخفاقاته على شماعة الظروف.
محمد مطلب المجالي.