د. عادل يعقوب الشمايله
كنتُ قد كتبتُ مقالاً قبل أيّامٍ عن صندوقِ استثمارِ الضمانِ الاجتماعي. أثبتَ المقالُ من خلال تحليلِ البياناتِ الرسميّةِ المنشورةِ أنَّ بعضَ استثماراتِ الصندوقِ حقَّقت خسائرَ، وبعضُها الآخرُ حقَّق عوائدَ متدنّيةً، وأنَّ المعدَّلَ العامَّ للعائدِ السنويِّ لاستثماراتِ الصندوقِ بالكادِ تجاوزَ معدَّلَ التضخّمِ السنوي. بمعنى آخر، بالكادِ حقَّقتِ الاستثماراتُ عائداً صافياً موجباً.
ماذا يعني ذلك لمشتركي الضمان؟
يُقال إنَّ العربَ ماهرونَ في اقتفاءِ الأثر. وكانوا يتتبَّعون آثارَ الإبلِ على الرمال إن لم تُغطِّها رمالُ الصحراءِ المتحرِّكة، كما ويستعينون ببعرِ الإبل. ولذلك اشتهرت مقولة: البَعْرَةُ تَدُلُّ على البَعير.
أمَّا أساليبُ التحليلِ الماليِّ المعاصر فإنَّها تستند، لتقديرِ التوقّعاتِ المستقبليّة، إلى نتائجِ السنواتِ السابقة، وقد تُعطى أوزاناً تعكس الأهميّةَ النسبيّةَ لبعضِ السنوات بناءً على فرضيّاتٍ وتبريراتٍ معقولة.
وعلى هديِ ذلك، يمكن القول إنَّه لمَّا كان معدَّلُ العائدِ السنويِّ الحقيقيُّ لمجملِ استثماراتِ الصندوق (الخاسرةِ والرابحة) على مدى ٢٢ عاماً هو نصفُ بالمائة (1/2%)، فإنَّه ليس من المجازفةِ ولا التَّجَنِّي توقُّعُ أن يكونَ معدَّلُ العائدِ السنويِّ خلال العقدينِ القادمين في حدودِ تلك النسبة.
المُستنكَرُ أنْ تستنكرَ إدارةُ الصندوقِ خيبةَ أملِ المشتركينَ الحاليينَ وتخوُّفهم، وذعرَ المشتركينَ الجدد، وتردُّدَ المشتركينَ المحتملين من ضآلةِ معدَّلِ العائدِ السنويِّ لما له من أثرٍ مستقبليٍّ مُدمِّرٍ على نوعيّةِ حياةِ أُسرهم.
النتائجُ الصادمةُ لأداءِ الصندوق لا ينبغي أن تُفاجئَ المحلّلينَ والمراقبينَ للأسبابِ التالية:
أولاً: إنَّ التاريخَ الحديث أثبتَ فشلَ القطاعِ العامِّ في معظمِ دولِ العالم في إدارةِ الاقتصادِ الوطني. الحكوماتُ لا يمكنها أن تكون تاجراً رابحاً ولا مزارعاً رابحاً ولا مُصنِّعاً رابحاً. وأسطعُ مثالٍ على ذلك انهيارُ التجربةِ الاشتراكيّةِ في الاتّحادِ السوفيتيِّ ودولِ أوروبا الشرقيّة وكوريا الشماليّة وكوبا وسوريا ومصر والجزائر والعراق والسودان. لأنَّ البيروقراطيّةَ الحكوميّةَ لا تستطيع رصدَ وفهمَ والتقاطَ إشاراتِ السوق، وسرعةَ المبادرةِ لاقتناصِ الفرص، وسرعةَ اتّخاذِ القرارات، والمغامرةَ المحسوبةَ في الدخولِ والانسحاب. باختصار لا تملك مهاراتِ رجالِ الأعمال.
ثانياً: تواضعُ قدراتِ من تداوَروا على إدارةِ صندوقِ الاستثمارِ منذ إنشائه. وهو قَدَرٌ لا يُتوقَّعُ تبدُّله لأنَّ أسبابَ ومعطياتِ ومبرّراتِ اختيارهم وتعيينهم لن تتغيَّر، وهي التنفيعُ والشلليّةُ والجهويّةُ والمطاوعة. ولذلك فإنَّ إداراتِ الصندوق لم تستثمر، بل دخلت أو أُدخلت في صفقاتِ شراءٍ لسنداتٍ حكوميّةٍ بدون عائد، ومشاريعَ سياحيّةٍ خاسرةٍ أصلاً، وأسهمٍ غيرِ مضمونة، وعقاراتٍ راكدة.
ثالثاً: النتيجةُ أنَّ قراراتِ استثمارِ أموالِ الصندوق لم تُبنَ على دراساتِ جدوى اقتصاديّةٍ سعت لتعظيمِ الاستثمارات، وتجنُّبِ المخاطر أو تقليلها على الأقل، وأدركت الفرصَ الممكنةَ والفرصَ البديلة، وإنّما إذعاناً لرغباتٍ أو أوامرِ الحكوماتِ التي هي بحاجةٍ لورقةِ تينٍ تسترُ عوراتِ فشلها في إدارةِ الدولة اقتصادياً ومالياً وسياسياً.
للأسف، الحكوماتُ المتتاليةُ هي حكوماتُ تسييرِ أعمالٍ وترحيلِ أزمات، وليس مواجهتها وحلّها وتجاوزها. حكوماتٌ يُؤتى بها لأسبابٍ مجهولة بدون برنامجٍ مُناقَشٍ ومقبولٍ شعبياً لأنَّها حكوماتٌ مُعيَّنةٌ وليست منتخبة. لذلك تتصرَّفُ بدون التزامٍ بأولويّاتِ الشعب، وتعملُ إذا عملت بدون شفافيّة، ولا تخضعُ للمساءلةِ القانونيّة ولا السياسيّة ولا الشعبيّة لأن مرجعيّتَها ليست الشعب.
رابعاً: إنَّ اتّجاهَ المتغيّراتِ الديموغرافيّة (السكانيّة) ليس في مصلحةِ الصندوق بسبب تراجعِ معدَّلِ الخصوبة بنسبة 60% عمّا كان عليه قبل ثلاثةِ عقود، وأصبح 2.3 طفلاً للمرأة، أي بالكادِ يتجاوز معدَّلَ الإحلالِ السكاني. وقد انعكس ذلك على معدَّلِ النموِّ السكانيِّ عام ٢٠٢٤ عن عام ٢٠٢٣ إذ بلغ (1.9%). وكان من بين أسباب تدنِّيه ارتفاعُ معدَّلِ العنوسة، وانخفاضُ حجمِ الأسرة عند من يتزوّج، والهجرة. أثرُ ذلك سيُترجَمُ بتراجعِ معدّلاتِ نموِّ عرضِ العمل أو حجمِ القوّةِ العاملةِ التي ستشترك في الضمان وتعوِّض عن من يخرجون من سوق العمل.
التطوّرُ الديموغرافيُّ السلبيُّ هو ثمرةُ سياساتٍ حكوميّةٍ تُنفَّذُ بدون إعلان، ترجمةً لأجنداتِ هيئاتٍ واتّفاقاتٍ دوليّة.
خامساً: ارتفاعُ معدَّلِ البطالة إلى ما يقارب ٤٠٪ عند الجامعيين و٢٢٪ عند غيرهم، ممّا يعني تقلُّصَ قاعدةِ المشتركين وانخفاضَ تدفُّقِ الاشتراكات عمّا كان متوقَّعاً عند إجراء الدراساتِ الاكتواريّة في بداية نشأة الصندوق.
فقد انخفضت نسبةُ الأردنيين المؤمن عليهم إلزامياً إلى إجمالي المشتغلين من 83.9% عام ٢٠٢٣ إلى 80.5% عام ٢٠٢٤. كما انخفضت نسبةُ الأردنيين المؤمن عليهم إلزامياً إلى مجمل قوّة العمل للأردنيين من 70.5% عام ٢٠٢٣ إلى 68.6% عام ٢٠٢٤. وارتفع عددُ المتعطّلين عن العمل من الأردنيين من 418,365 عام ٢٠٢٣ ليبلغ 429,682 عام ٢٠٢٤.
سادساً: إنَّ القراراتِ الإداريةَ للحكوماتِ المتعاقبةِ لا تُعبِّرُ عن استراتيجيةٍ وطنيةٍ مدروسةٍ ومتوافقٍ عليها هدفُها الصالحُ العام. لذلك تصدرُ التعييناتُ في الوظائفِ بعشوائيةٍ وبرواتبَ عاليةٍ جداً لمن هم من آلِ الحكومة، ومتدنيةٍ جداً لمن هم من آلِ الشعب بغضِّ النظرِ عن المؤهلات، وتُصرُّ الحكوماتُ على تجميدِ رواتبِ العاملينَ ومنعِ الزياداتِ للمتقاعدين طيلةَ عقدينِ كاملين رغم التأثيرِ السلبيِّ على القوةِ الشرائيةِ المتدنيةِ أصلاً، وبالنتيجةِ على النموِّ الاقتصادي رضوخاً لأوامرِ صندوقِ النقدِ الدولي. إضافةً إلى التوسعِ لدرجةِ السفهِ في قراراتِ التقاعدِ المبكر دون التفكيرِ بعواقبِها على أداءِ الوزاراتِ وعلى قدرةِ مؤسسةِ الضمانِ الاجتماعي في توفيرِ رواتبَ تقاعديةٍ مقبولةٍ ومستدامة.
تلك القراراتُ تُعبِّرُ عن فقرٍ معرفيٍّ مُدقع لدى متخذي القرارات، والعمى والطرش والعناد والنرجسية والمراهقةِ الإداريةِ والسياسيةِ (هذا تشخيصٌ للحالةِ الإدارية وليس ذمّاً للأشخاص) ولا تستطيعُ الحكوماتُ إثباتَ خطأِ التشخيص. فالأدلةُ التي تدعمُ هذا الزعمَ كثيرةٌ من بينها:
-بلغت نسبةُ التقاعدِ المبكر (68.5%) من إجمالي المتقاعدين عام ٢٠٢٤، ومتوسطُ أعمارِهم 50 عاماً.
-ارتفع عددُ المتقاعدينَ الجدد عام ٢٠٢٤ عن عام ٢٠٢٣ بنسبة (22.2%)، وفي المقابل ازدادت الإيراداتُ التأمينيةُ للمؤسسة بنسبة (4.4%) فقط. أي ازدادت نسبةُ المتقاعدينَ الجدد بخمسةِ أضعافِ الزيادةِ في الإيراداتِ التأمينية.
-انخفض الفائضُ التأمينيُّ التراكمي (إجمالي الإيراداتِ الكلية − إجمالي النفقاتِ الكلية) عام 2024 عن عام 2023 بنسبة 25%.
سابعاً: فشلت الحكوماتُ المتعاقبةُ رغم رعايةِ صندوقِ النقدِ الدولي لها على مدى ٣٥ عاماً في تحقيقِ أهدافِ برنامجِ الإصلاحِ الاقتصاديِّ المُجدَّد، وعلى رأسها التخفيضُ المُمنهجُ لعجزِ الموازنةِ العامة بالأرقامِ المطلقة وكنسبةٍ لحجمِ الموازنة، وكنسبةٍ للناتجِ المحليِّ الإجمالي باعتبارِ ذلك المقدمةَ المنطقيةَ لتجنُّبِ تزايدِ الدينِ العامِّ بالأرقامِ المطلقة بل وتراجعِ حجمه نسبةً لحجمِ الناتجِ المحليِّ الإجمالي الحقيقي، رغم هرولةِ الحكوماتِ لزيادةِ الضرائبِ والرخصِ والرسومِ والإتاواتِ والغرامات، ورفعِ أسعارِ المشتقاتِ النفطية بشتى الحججِ الواهية، لدرجةِ أنَّ صافي الإيرادِ منها يقارب (الإيراداتِ المحلية من كافةِ المصادرِ الضريبيةِ وغيرِ الضريبية) رغم أنَّ الحكومةَ تحصلُ على النفطِ الخامِ بأسعارٍ مخفَّضةٍ عن السعرِ العالمي.
وفي المقابل جرى تخفيضُ حصةِ النفقاتِ الرأسماليةِ من النفقاتِ العامة، وأُلغي الدعمُ بكافةِ أنواعه، وتراجعت الأهميةُ النسبيةُ لنفقاتِ التعليمِ والصحةِ والبنيةِ التحتية. بل وتحولت سلعتا المياهِ والكهرباءِ من سلعتين تتمتعان بالحصانةِ لبعديهما الاجتماعيِّ والاستثماريِّ إلى سلعتين معروضتين على أرففِ سوبر ماركت يملكه تاجرٌ محتكر.
لذلك، وفي ضوءِ تزايدِ الدينِ العام، واستمرارِ وتيرةِ أفقيةِ منحنى النموِّ الاقتصاديِّ الحقيقيِّ التي تدور حول (1%)، سيتزايد اعتمادُ الحكومةِ على صندوقِ استثمارِ الضمانِ الاجتماعي كمُقرضٍ مطيعٍ بدون تكلفة. وهذا ما أثبته معدَّلُ العائدِ السنويِّ الحقيقيِّ على القروضِ الحكومية (السنداتِ الحكومية) خلال السنواتِ الاثنتين والعشرين الماضية الذي كان سالباً.
مع الأخذِ بعينِ الاعتبار أنَّ شراءَ السنداتِ الحكومية ليس قراراً استثمارياً حصيفاً، لذلك لا يُقدِمُ عليه أيُّ مستثمرٍ فرديٍّ أو شركةٌ خاصة إلا إذا كان العائدُ المكفول يتجاوز (٥٪) وأن يكون قابلاً للاستردادِ في المدى القصير. ولذلك فإنَّ خطيئةَ المشتركين هي في رقبةِ الحكومة أولاً وآخراً.
إنَّ حصولَ الصندوقِ على عائدٍ سنويٍّ حقيقيٍّ يفي بالمتطلباتِ الاكتواريةِ لاستدامةِ الصندوق وقدرتهِ على الوفاءِ بالتزاماتهِ للجيلِ الحاليِّ والأجيالِ القادمة يتطلب استثمارَ موجوداتِ الصندوقِ الباقية (٤٥٪) التي لم تقترضها الحكومة في مجالاتٍ تحققُ عوائدَ سنويةً تتجاوز 15–20% ليكون معدلُ العائدِ العامِّ السنويِّ بعد خصمِ معدلِ التضخم = 5%.
للتبسيط:
بلغ معدلُ العائدِ الحاليِّ والمتوقع على ٥٥٪ من موجوداتِ الصندوقِ المستثمرةِ في السنداتِ الحكومية 3% بالأسعارِ الجارية.
لذلك ينبغي أن يبلغ معدلُ العائدِ على ما تبقى من موجوداتِ الصندوق ١٣٪ سنوياً.
3 + 13 = 16%
16 ÷ 2 = 8%
يُخصم ٣٪ تضخم
8% − 3% = 5%
هذا السيناريو مستحيلُ التحقيق طالما استمرَّ حالُ الصندوق سفينةً بلا ربان على رأي الفنان فهد بلان.
أيضاً هذا السيناريو صعبُ التحقق (وليس مستحيلاً) ضمن الظروفِ الاقتصاديةِ الصعبةِ التي وصل إليها الأردنُّ بتدبيرٍ من الحكوماتِ المتتالية بحرفيةٍ عالية، إضافةً للظروفِ السياسيةِ الإقليميةِ السائدة وتفككِ الزخمِ القومي وانعدامِ الثقةِ بين الحكوماتِ العربية وتفضيلِها ركوبَ القواربِ الصغيرة بعد تلاشي شعار بلادِ العربِ أوطاني.
الحلولُ المقترحة (طوقُ النجاة):
البديل الأول:
١- أن يخرجَ الصندوقُ من تبعيةِ وتدخلِ وهيمنةِ الحكومة بشكلٍ تامٍّ ونهائيٍّ بنصٍّ تشريعيٍّ يعلو ولا يُعلى عليه.
٢- أن يتحولَ الصندوقُ إلى بنكِ إقراضٍ تجاريٍّ فقط، ولكن برقابةٍ مُضاعفةٍ من البنكِ المركزي.
٣- أن يتشكلَ مجلسُ إدارةِ الصندوق بما يماثلُ تشكيلَ مجالسِ إدارةِ البنوكِ التجارية.
البديل الثاني:
أن يصبحَ الصندوقُ دائرةً من دوائرِ البنكِ المركزيِّ الأردني. أي أن تتحولَ اشتراكاتُ المؤمنين إلى حسابٍ مستقلٍّ ضمن حساباتِ البنكِ المركزي. وأن يكونَ البنكُ المركزيُّ ضامناً لحقوقِ المشتركين التعاقدية كما نصَّ عليها قانونُ مؤسسةِ الضمانِ الاجتماعي.
وهذا يرتبُ على البنكِ المركزي مسؤوليةَ حسنِ إدارةِ واستثمارِ وإقراضِ أموالِ المشتركين. ونظراً لأنَّ البنكَ المركزي يتمتعُ باستقلاليةٍ معقولةٍ عن الحكومة وأنَّ الحكومة (الدولة) ضامنةٌ للبنكِ المركزي فإن حقوقَ المشتركين ستكون بخير.
البديل الثالث:
١- تكييشُ موجوداتِ الصندوق.
٢- إيداعُ أموالِه في حساباتِ توفيرٍ في البنوكِ التجارية جميعها ولكن بمبالغَ متفاوتةٍ حسب منعةِ كل بنك، شريطةَ أن تحظى ودائعُ الصندوق بحقوقِ امتيازٍ على باقي الودائع وحقوقِ المساهمين والدائنين. إضافةً إلى عدمِ إصدارِ جوازاتِ سفرٍ لممثلي الصندوق في مجالسِ إدارةِ البنوك بما في ذلك أفرادُ أسرهم ومراقبةُ أموالِهم وأموالِ أسرهم المنقولةِ وغيرِ المنقولة واعتبارُ المسؤوليةِ أسريةً وليس شخصية





