وطنا اليوم _
كتب: ليث الفراية
في الحياة العامة، هناك أسماء تُعرَف بالمناصب، وأسماء أخرى تُعرَف بما هو أبقى من المناصب؛ بالسيرة، وبالأثر، وبالسمعة التي تسبق صاحبها أينما ذهب ومعالي العين خولة العرموطي واحدة من تلك الشخصيات التي لا يُختزل حضورها في موقع رسمي، بل يتجاوز ذلك ليصبح حالة من الاحترام المتجذّر في الوجدان الأردني.
حين يُذكر اسمها، لا يتبادر إلى الذهن لقب أو منصب بقدر ما يتبادر شعور بالوقار والتهذيب والاتزان فقد استطاعت العرموطي أن ترسّخ صورة المرأة الأردنية التي تجمع بين الحضور السياسي الرصين والإنسانية العالية، وبين التواضع النبيل والكبرياء الممزوج بالخلق الرفيع ولهذا لم يكن حضورها في الحياة العامة طارئًا أو عابرًا، بل امتدادًا لمسيرة قائمة على العمل والالتزام والصدق مع الذات والناس.
وُلدت في عمّان، المدينة التي صنعت ملامح كثير من الشخصيات الوطنية، لكنها اختارت منذ بداياتها أن تشق طريقها بالاجتهاد والإصرار حيث لم تكن رحلتها قائمة على السهولة، بل على المثابرة والوعي بأن المكانة الحقيقية تُبنى بالعمل والجدية ولهذا برزت بوصفها شخصية سياسية تعرف وزن الكلمة وقيمة الموقف، وتدرك أن المسؤولية ليست امتيازًا بقدر ما هي أمانة.
وفي مسيرتها، ظلّ واضحًا تأثير المدرسة التي تربّت فيها؛ مدرسة القيم التي أسسها والدها الراحل إبراهيم نزال العرموطي ووالدتها المرحومة تمام العرموطي، حيث كانت العروبة والالتزام الأخلاقي والوفاء للوطن جزءًا من التربية اليومية ومن هذه البيئة تشكّل وعيها الوطني، فحملت الأردن في فكرها ومواقفها، وظلّ انتماؤها له ثابتًا في كل محطة من محطات حياتها.
لم تكن خولة العرموطي يومًا شخصية تبحث عن الصخب أو الأضواء، بل عن الفعل الهادئ الذي يترك أثره في الناس ولذلك استطاعت أن تبني جسور احترام مع مختلف التيارات والاتجاهات، مستندة إلى خطاب معتدل وسعة صدر وحرص دائم على أن يكون الوطن هو المساحة الجامعة للجميع.
وإذا كان العمل العام كثيرًا ما يختبر الإنسان في مواقفه، فإن العرموطي بقيت محافظة على ثوابتها، مؤمنة بأن الأردن ليس مجرد جغرافيا، بل فكرة جامعة وأسرة واحدة تتنفس من هواء هاشمي واحد ولهذا ظل حضورها مرتبطًا بثقة الناس ومحبتهم، لأنها قدمت نموذج المسؤول الذي يقترب من الناس بصدق ويعبّر عنهم بوعي واتزان.
إن الحديث عن معالي خولة العرموطي لا يقتصر على سيرة سياسية، بل هو حديث عن تجربة إنسانية أردنية عميقة، عنوانها الالتزام والاعتدال، ومضمونها العطاء الصادق فهي واحدة من تلك الشخصيات التي تمضي في طريقها بهدوء، لكنها تترك خلفها أثرًا واضحًا في الذاكرة الوطنية.
وهكذا تبقى معالي خولة العرموطي قصة أردنية جميلة؛ قصة امرأة حملت القيم التي تربّت عليها، وحوّلتها إلى حضور عام يعبّر عن معنى الخدمة الوطنية حيث حضورٌ يؤكد أن المكانة الحقيقية لا تُصنع بالمناصب، بل بما يزرعه الإنسان من احترام في قلوب الناس.



