أبو رمان يكتب: مازن القاضي… ما بين الخطاب الشعبي والواقع المؤلم

5 ساعات ago
أبو رمان يكتب: مازن القاضي… ما بين الخطاب الشعبي والواقع المؤلم

ماجد ابو رمان
تابعتُ بثًا مباشرًا على مواقع التواصل الاجتماعي لنواب جبهة العمل الإسلامي يهاجمون فيه قرار رئاسة مجلس النواب الأردني بعدم إفساح المجال لهم للنقاش الموسّع حول قانون الضمان الاجتماعي، واعتبار ما جرى “أمرًا دُبّر بليل”. وانضمّ إليهم عدد من النواب من كتل أخرى، بدا أن بعضهم يبحث عن موقعٍ في مشهد الشعبية السريعة أكثر مما يبحث عن موقعٍ في نصّ القانون.
ما يبدو اليوم أن تجربة نواب التيار الإسلامي في المجلس لم تعد مجرد حضورٍ معارض، بل اختبارًا حقيقيًا للانتقال من منطق الحركة إلى منطق الدولة. فالحركة تُجيد الحشد وتُحسن مخاطبة العاطفة، لكن الدولة تُدار بلغة الأرقام، وبحسابات الاستدامة، وبنصوصٍ دقيقة تحكم حياة الناس. وبين المنبر والمؤسسة مسافة لا تُختصر بالتصفيق، بل تُقطع بصياغة موادّ قانونية رصينة.
قانون الضمان الاجتماعي ليس ملفًا سياسيًا عابرًا، بل تشريع يمسّ حاضر المواطنين ومستقبلهم؛ يمسّ راتب المتقاعد، وأمان الأسرة، ولقمة العيش في شيخوخةٍ لا ترحم. ما ينتظره المواطن تحت القبة ليس معركة أصوات، بل معادلة عادلة تحمي اشتراكه اليوم وتصون الصندوق غدًا. ينتظر حلولًا مالية واضحة، وأرقامًا دقيقة، وتشريعات تُغلق أبواب القلق، لا خطبًا تفتح أبواب الشك.
غير أن النقاش انزلق إلى مساحة التحشيد، وتحول الخلاف الإجرائي إلى صدام مع الرئاسة، وكأن المعركة حول من يتكلم لا حول ماذا يُكتب في القانون. اختصار المداخلات برؤساء الكتل قُدِّم بوصفه مصادرةً لحق سياسي، وسرعان ما حضرت العبارة الجاهزة. لكن كثافة الاتهام لا تعوّض غياب البديل، ولا تُغني عن تقديم صياغاتٍ واضحة تضمن للمواطن حقه بلا لبس.
وهنا يبرز سؤال مشروع: لمصلحة من يُدفع المشهد نحو التصعيد مع رئاسة المجلس؟ وهل تتحقق مصلحة المواطن بإضعاف صورة المؤسسة التشريعية، أم بتعزيز قدرتها على إدارة الخلاف ضمن الأطر الدستورية؟ إن تحويل الخلاف الإجرائي إلى معركة مفتوحة لا يخدم سوى من يراهن على تأزيم المشهد، بينما الخاسر الحقيقي هو الثقة العامة بالمؤسسة.
وفي المقابل، فإن ضعف بعض الكتل الأخرى، وعجزها عن بناء عملٍ جماعي واعٍ ومنظم، ترك فراغًا داخل القبة، أتاح لنواب الجبهة أن يتصدروا المشهد ويتقدموا الصفوف. فحين يغيب التنسيق الرصين، وتبهت الرؤية المشتركة، يصبح الصوت الأعلى هو الأكثر حضورًا، لا بالضرورة الأكثر عمقًا. وهكذا يُملأ الفراغ بالحشد لا بالتشريع المتقن.
الدولة لا تحتاج إلى تضخيم الشكوك، بل إلى تبريد الانفعالات. والمفارقة أن رئاسة المجلس، وهي تحاول ضبط الإيقاع، تبدو كأنها تواجه تيارًا يفضّل إبقاء المشهد في حالة اشتعال دائم، لأن الهدوء يكشف الفارق بين من يرفع الشعار ومن يكتب المادة القانونية.
الاعتراض حقٌّ أصيل، لكن تحويل كل إجراء تنظيمي إلى قضية كبرى يستهلك الجهد في العناوين ويترك التفاصيل بلا علاج. والمواطن، في نهاية المطاف، لا تعنيه حرارة السجال بقدر ما يعنيه مصير اشتراكه التقاعدي، واستدامة أمواله، وعدالة احتساب حقوقه.
الديمقراطية لا تُقاس بعلو الصوت، بل بقدرة المجلس على إنتاج تشريع يخدم الناس بواقعية ومسؤولية. فمن أراد أن ينتصر للمواطن، فليقدّم حلولًا اقتصادية قابلة للتطبيق، وليحوّل القلق الشعبي إلى موادّ محكمة. أما الاكتفاء بالتحشيد، فسيبقي الإنجاز في حدود الرمز، بينما يبقى المواطن ينتظر دولة تحميه بالقانون، لا بالهتاف