بقلم الدكتورة اسيل شوارب
مع إطلالة شهر رمضان المبارك، تتحول الشاشات العربية إلى ساحة سباق محموم، حيث تتنافس العشرات من الأعمال الدرامية لاقتطاع حصة من وقت المشاهد وصبره. ولكن، خلف بريق الإنتاج الضخم وتقنيات التصوير السينمائي المبهرة، يبرز سؤال ملحّ يطرح نفسه في كل مجلس: أين هو “الإنسان العربي” الحقيقي في هذه الأعمال؟
في وقت أصبحت الدراما العربية المعاصرة تعاني من متلازمة “الاستنساخ”؛ فما ينجح في عام، يُعاد تدويره في العام التالي بأسماء وجوه مختلفة. صراعات العائلات على الميراث، قصص الانتقام الدموية، والبطولات الوهمية لـ “البلطجي” الذي يُقدم كرمز للشهامة، كلها أفكار باتت مستهلكة تفتقر إلى الجوهر الفكري. هذا التكرار ليس مجرد إفلاس إبداعي، بل هو استخفاف بوعي المشاهد الذي يبحث عن انعكاس لواقعه المعقد وطموحاته.
أما تزييف الواقع بين “الكومبوندات” المخملية و”العشوائيات” المظلمة
فإن الدراما تضعنا أمام ثنائية مشوهة لا تمثل الغالبية العظمى من مجتمعاتنا:
من عالم القصور الباذخة؛ حيث المشكلات تنحصر في الخيانات والمؤامرات الطبقية، وكأن المجتمع العربي يعيش في رغد مطلق.
إلى عالم الجريمة والقبح؛ حيث تُختزل الأحياء الشعبية في تجارة المخدرات والألفاظ النابية، مما يكرس صورة ذهنية سلبية ومنفرة عن الأصالة الشعبية.
أين الطبقة الوسطى؟ أين المعلم، والمثقف، والموظف الكادح، والأم التي تبني جيلاً؟ هذه النماذج التي تشكل عماد المجتمع غائبة أو مهمشة في ظل البحث عن “التريند” والإثارة الرخيصة.
تشويه الصورة الذهنية للمجتمع
إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في ضعف الحبكة فحسب، بل في “التأثير التراكمي” لهذه الصور المشوهة. فعندما تُصدر الدراما صورة العربي كشخص عنيف، أو مادي، أو متآمر، فإنها تساهم في بناء وعي جمعي زائف لدى الأجيال الناشئة، وتؤكد الصور النمطية السلبية لدى الآخر.
إننا اليون بحاجة ماسة إلى دراما تحترم عقلية المشاهد، دراما تستلهم من تاريخنا، ومن قصص النجاح في مختبراتنا وجامعاتنا ومدارسنا. نحتاج إلى أعمال تزرع قيم التسامح، والمسؤولية المجتمعية، والوعي الفكري، بدلاً من تلميع القبح وتكرار الهياكل الدرامية الجوفاء.
لقد آن الأوان للمنتج والكاتب العربي أن يدركوا أن المشاهد لم يعد يكتفي بالصورة الملونة، بل بات يبحث عن “الروح” والصدق في الكلمة والموقف.






