حسين الرواشدة
لم نسمع ،حتى الآن ، أي صوت إدانة للاعتداء الإيراني على بلدنا من الذين ألهبوا مشاعرنا ،على امتداد العامين المنصرفين ،بهتافاتهم “دعم المقاومة وحماية الأردن “، يبدو أن حماية الأردن كان مجرد “لازمة” عابرة للتغطية على أهداف أصبحت مكشوفة ، أسوأ من ذلك أن أحزاباً و تيارات سياسية أخرى تعمدت إصدار بيانات دعماً للشعب الإيراني ، فيما لم تشر بكلمة إلى الصواريخ والطائرات الإيرانية التي استهدفت الشعب الأردني بدون أي مبرر، لا تعليق لدي ،بالطبع ، على جوقة “الشماتة” التي عزفت منفردة على أوتار الحقد والكراهية ، بعضهم للأسف يعيشون بيننا ، والآخرون موزعون على خرائط سياسية لا تضمر لبلدنا خيراً.
نختلف حول الحرب على إيران ، لا بأس ، نحن لسنا طرفاً فيها، ولا نقبل أن نكون ساحة لها، لكن حين نصبح هدفاً من أهدافها ، ونتعرض في اليوم الأول لعشرات الصواريخ البالستية والمسيرات ، لا يجوز لأي أردني مهما كانت توجهاته السياسية أن يقف متفرجاً، أو أن ينحاز إلى الطرف المعتدي تحت أي ذريعة ؛ الدفاع عن سيادة الأردن واجب وطني، ورفض الاعتداء عليه من أي جهة مسؤولية تقع في صميم الشرف الوطني ، وحين يتلجلج البعض او يترددوا في التعبير عن هذا الواجب ، يكفي أن نقول لهم : مواقفكم مخجلة ، الأردن سيبقى ، بحفظ الله، صامداً بهمة شعبه وقيادته و جيشه ومؤسساته.
نقطة نظام ، ثمة من يرفع شعار “المعارضة” لتبرير مواقف سياسية تتعارض مع اتجاهات بوصلة الدولة وقراراتها ، ربما يبدو ذلك مفهوماً في الظروف العادية ، لكن في حالة ” الاعتداء” على الوطن لا يمكن فهم هذه المواقف أو تبريرها ، المعارضة الوطنية الحقّة تنتقد أخطاء الحكومات والسياسات ، وتحاول أن تصحح المسارات ، لكن حين تدق ساعة الحرب تتحول إلى رصيد للدولة ، ترفض أي اعتداء عليها ، لا تستخدم حساباتها السياسية الضيقة لتسجيل مواقف ضد الإجماع الوطني، هكذا تفعل “المعارضة ” في كل دول العالم ، الديمقراطية وغير الديمقراطية، لأنها حين تمارس العكس تتجرد من سمتها الوطنية ، وتثبت أنها ليست جزءا من الدولة ، وإنما مجرد امتداد لمرجعيات وأيدولوجيات لا تضع اعتباراً للمصالح الوطنية العليا.
لماذا أقول ذلك ؟ نحن في بداية حرب طويلة على ما يبدو ، أمامنا تحولات وانهيارات كبرى في المنطقة ، بلدنا يقع وسط جغرافيا حفرة الانهدام السياسي ، بروفات المواقف من الاعتداء الذي تعرض له بلدنا (والتي أشرت لبعضها سلفا) أكيد ستتكرر ، وقد تكون الأيام والأشهر القادمة مزدحمة بالأزمات والمخاطر ، تجاوز هذه البروفة المخجلة أو صرف النظر عنها يعني أننا نرسخ واقعا مقبولاً، فيما الحقيقة أنه واقع مريب وخطير أيضاً ، لا يجوز لأي تيار سياسي اردني ،مهما كانت توجهاته السياسية ، أن يصمت أو يبرر أي اعتداء ضد الأردن ، هذا يجب أن تحسمه الدولة بالقانون والسياسة ، حين نتجاوز عن ذلك يصبح الصمت على الاعتداء أو عدم إدانته مجرد وجهة نظر ، فيما الصحيح أنها خيانة، وعندئذ نقع في المحظور.
في الأزمات الكبرى ، حين تتعرض الاوطان لأي اعتداء ،ومن أي طرف ، تحتاج الدولة إلى رديف سياسي من الداخل ، “الجماعة الوطنية ” موالاة او معارضة لا فرق ، هي هذا الرديف الذي يشكل حالة “الإجماع الوطني “، ويُسخّر امكانيات المجتمع ووعيه لخدمة الدولة ومواقفها ، أي طرف يخرج عن هذه المعادلة ، تحت أي ذريعة ، يطعن في خاصرة الدولة ، ويكون عبئاً عليها ، هذه المعادلة يجب أن نفهمها ونحتكم إليها ، ولا نتردد في إدانة من يخرج عنها، لا أقصد ، أبداً، عموم الأردنيين الذين لم يخذلوا بلدهم يوماً، وإنما البعض من الطبقة السياسية وتياراتها التي تغرد خارج السرب الوطني ، يصرخون في وجوهنا دفاعاً عن أي قضية خارج الحدود تخدم أجنداتهم ، ثم يتوارون عن الأنظار حين يداهم بلدنا أي خطر أو اعتداء.






