وطنا اليوم- خاص- تابعت ما يكتب عبر وسائل التواصل الاجتماعي في إطار حملة مدبرة ضد رئاسة الجامعة وتأويلات والغاز غير مفهومة وتستند الى اعتبارات شخصية واضحة.. وهنا نتحدث عن منهجٍ في التفكير. فيه، يُقاس الأداء بالأرقام، وتُراجع القرارات بالوقائع، وتُحسم الخلافات عبر التقارير والادوات لا عبر الحملات المغرضة من خلال المنصات. ومن هذا المنطلق تحديداً، أجد أن ما يتعرض له الدكتور نذير عبيدات يستحق قراءة أهدأ وأكثر اتزاناً مما يجري تداوله.
الجامعة الأردنية ليست دائرةً إداريةً عابرة. هي مرآة الدولة التعليمية، وعنوانها الأكاديمي الأبرز وأم الجامعات حيث امشأت في عهد الملك حسين عام 1962 كاول جامعة في الاردن. وأي تغييرٍ فيها ينعكس على صورة الأردن في الخارج قبل أن ينعكس في الداخل. وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الجامعة تحولاتٍ لا يمكن تجاهلها؛ تحسنٌ في التصنيفات العالمية، حضورٌ أوضح في مؤشرات البحث العلمي، وحديثٌ متكرر عن معالجة ملف المديونية الذي ظل لسنواتٍ عبئاً ثقيلاً على المؤسسةإذ أكد رئيسها ان مديونية الجامعة صفر وهذه حالة فريدة ومتميزة عن واقع الجامعات في الاردن التي تئن تحت وطأة المديونية الثقيلة.
عندما تصفر المديونية ، وتقترب المؤسسة من التوازن المالي، فإن ذلك يعني مساحةً أوسع للاستثمار في البحث، وفي البنية التحتية، وفي الطلبة ايضا ومستوى الخدمات المقدمة لهم . وعندما تتحسن المؤشرات الأكاديمية، فإن ذلك يرفع قيمة الشهادة، ويعزز ثقة الشركاء الدوليين.
لكن الإصلاح، في أي مؤسسةٍ، لا يمر بهدوءٍ لانه يخلق متضررين من اصحاب المصالح الذين يستخدمون وسائل التشويش والنميمة . فالإصلاح ليس قراراً محايداً، بل إعادة ترتيبٍ داخل المؤسسة.
وهنا يبرز سؤالٌ لا بد من طرحه بوضوح: هل نحن أمام ضريبة نجاحٍ طبيعية في بيئةٍ لا تحب التغيير السريع؟ أم أمام صراع مصالحٍ يشعر أصحابه بأن المرحلة الجديدة لا تخدمهم؟
التوقيت أيضاً ليس تفصيلاً عابراً. الحملات لا تتكثف عادةً في الفراغ. غالباً ما تظهر في لحظاتٍ حساسة.
أنا لا أؤمن بتقديس المسؤولين، ولا أؤمن بمحاكمتهم عبر وسائل التواصل. المعيار الوحيد المقبول هو ما يمكن توثيقه. إذا كانت تقارير الرقابة المالية تشير إلى تحسنٍ فعلي، وإذا كانت مؤشرات البحث العلمي تسجل تقدماً ملموساً، فإن النقاش يجب أن يتركز على كيفية البناء على هذا التقدم، لا على شخصنة الحالة.
المؤسسات الكبرى لا تحتمل أن تُختزل في خلافاتٍ عابرة. الجامعة الأردنية ليست ساحةً لتصفية الحسابات، بل ركيزةٌ من ركائز الأمن المعرفي للدولة. وأي إرباكٍ غير محسوب في إدارتها ينعكس على ثقة المجتمع بها، وعلى صورتها لدى الطلبة وأولياء الأمور والشركاء.
في النهاية، قد يكون ما يحدث جزءاً من ديناميكيةٍ طبيعية في بيئةٍ إصلاحية. وقد يكون أكثر من ذلك. لكن ما لا يجوز أن يحدث هو أن نستبدل لغة الأرقام بلغة الضجيج، وأن نحاكم التجربة من خلال الانطباعات لا من خلال النتائج.
والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً أمام الجميع: هل نريد جامعةً تُدار بالمعايير، أم جامعةً تُدار بالرضا المؤقت؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل المرحلة القادمة، لا اسم الشخص الجالس على الكرسي.






