القاص والروائي والشاعر د. محمد عبدالله القواسمة
شكت زوجته بعد وجبة غداء متقشفة من سوء الحال، وأنه لا يوجد في البيت مليمًا واحدًا، حتى إن أولادهما في الصباح لن يذهبوا إلى مدارسهم، وابنهما عطية لن يذهب إلى جامعته. من أين لهم النقود، وقد تأخر راتب والدهم هذا الشهر؟
قال لها ليس من الضرورة أن يذهب الأولاد إلى مدارسهم ومعهم مصاريفهم، هي ساعات قليلة ويعودون إلى البيت. كما ليس من الضرورة أن يذهب عطية إلى الجامعة؛ فالدراسة هذه الأيام صارت تعتمد على الإنترنت، والتعليم صار وجاهيًا. ثم إن غيابه يوم أو يومين عن الجامعة لن يحرمه من معلومات مهمة. أما عن الطعام والشراب ففي البيت ما يسد رمقنا والحمد لله!
رأت بأنه لم يخرج في قوله عن فهمه للحياة بأنها لا تُعاش إلا بالزهد والتقشف. احتجت:
– ليس عندك غير هذه الحلول. هل هي حلول ناجحة؟
بدا مثل غريق يرجو النجاة:
– هل من حل غيرها يا زوجتي الغالية؟
هزت رأسها بثقة:
– طبعًا!
نظر إليها متسائلًا. ترددت، ثم قالت بصوت خفيض:
– لك على بعض أصدقائك ديون. لماذا لا تطلبها أو تطلب بعضها على الأقل؛ حتى نسد بعض حاجيات البيت؟
قال بدهشة:
– تعرفين أنا لا أطلب ممن داينتهم أن يسددوا ديونهم. أترك لهم الحرية في أن يفعلوا ذلك متى شاؤوا. هل تذكرين أني طالبت أحدًا بما استدانه مني؟
– لكن وضعنا كما ترى لا يسر عدوًا ولا صديقًا. وليس من أحد يحس بما نحن فيه.
أطرق يفكر، وفي الحقيقة يهرب بفكره من هذا الموقف، الذي اختطفه على حين غفلة. عرفتْ أنه في حالة انفعال قاتلة؛ فتركته وانتقلت إلى مكان آخر في البيت.
تذكّر ذلك اليوم.
رجع من المدرسة. دخل البيت، صادفه بالباب أبو يسار الدكنجي، وهو يخرج من عندهم يحمل دفتره الكبير الرمادي اللون. وجد والده يبكي. ما إن رآه حتى جفف دموعه. أحس بأن في نفسه شيئًا يتمزق، وفي قلبه جرحًا يتسع، وفي روحه ألمًا يتعمق:
– أتبكي يا أبي؟
– يبدو أن عيوني تعكرت فدمعت.
علم من أمه في ذلك اليوم أن الدكنجي جاء يطالبهم بالدين الذي عليهم؛ أما دموع أبيه فلم تكن لذاك الموقف، فوالده رجل لا يتأثر بالشدائد.
بعد ذلك بأيام، كانا وحدهما. أوصاه والده ألا يقع في الدين، حتى لو تعرض للهلاك؛ فالدين ليس ذلًا في النهار وهمًا في الليل فحسب، بل تكبيل للحرية أيضًا.
منذ ذلك الحادث لا يذكر أنه استدان من أحد، أو طالب أحدًا بدين. وكثيرون ممن عرفوه يتناسون ما له عليهم من دين. ما زالت صورة والده في مخيلته. والده رمز القوة التي لا حدود لها شاهده يبكي.
دخلت عليه زوجته قبل المساء. اقتربت منه. رفع رأسه:
– هاتي ما عندك.
التصقت به، وقالت برقة:
– أرجوك لا تغضب مني!
– هل عملت ما يغضبني؟
بعت حلقي. تخليت عنه. كان ثقيلًا على أذني. غدًا تشتري لي أفضل منه.
بقي صامتًا. في النهاية نظر إليها نظرة تفيض بالحب والحنان، وأمسك بيدها:
– يبدو أني خالفت وصية أبي!






