السيوف يكتب: تعديلات الضمان 2026: خصخصة الشيخوخة واغتيال العقد الاجتماعي الأردني

ساعتين ago
السيوف يكتب: تعديلات الضمان 2026: خصخصة الشيخوخة واغتيال العقد الاجتماعي الأردني

بقلم: إبراهيم أحمد السيوف

في اللحظة التي يُراد فيها تمرير تعديلات قانون الضمان الاجتماعي لعام 2026، نحن لا نواجه مجرد “إصلاحات اكتوارية” باردة، بل نحن أمام عملية “تفكيك بنيوي” لمفهوم الأمان الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة الأردنية الحديثة. إن هذه التعديلات تمثل ارتداداً فكرياً نحو “الرأسمالية المتوحشة” التي تتعامل مع المواطن كـ “رقم إحصائي” أو “وحدة إنتاجية” يُعتصر جهدها حتى الرمق الأخير، ثم يُلقى بها في غياهب الانتظار حتى سن الخامسة والستين، في استهتار واضح بالحقوق المكتسبة وبالطبيعة السوسيولوجية للمجتمع الأردني.
إن جوهر الخطر في هذا التحول التشريعي يكمن في “الاستلاب القسري” لمستقبل الطبقة الوسطى والفقيرة؛ فرفع سن التقاعد وفرض القيود الحديدية على التقاعد المبكر هو بمثابة “تأميم لشقاء العمر” لصالح تغطية عجز السياسات الاستثمارية التي فشلت في تنمية أموال الأردنيين بعيداً عن جيوب المشتركين. كيف يستقيم منطق “الدولة الراعية” مع تشريع يُجبر العامل في الميدان على مقايضة صحته المتهالكة بفتات معاشي لن يدركه إلا وهو على أعتاب العجز الكلي؟ إنها عملية “تسييل” للإنسان الأردني، وتحويله من صاحب حق أصيل في ثروة الضمان إلى “رهينة” لقرارات إدارية مركزية تُدار بعقلية “المحافظ” المتفرد، بعيداً عن الرقابة التشاركية والتمثيل النقابي والعمالي الحقيقي.
اجتماعياً وفكرياً، هذه التعديلات تضرب “الاستقرار الجيلي” في مقتل؛ فهي تخلق صراعاً صامتاً بين جيل الآباء المتمسكين بوظائفهم قسراً خوفاً من العوز، وبين جيل الأبناء الخريجين الذين يجدون أبواب سوق العمل موصدة أمامهم بسبب انسداد قنوات الخروج التقاعدي. هذا المشهد لا يؤدي إلا إلى “تغريب” الشباب داخل وطنهم، وزرع بذور الاحتقان الاجتماعي نتيجة غياب العدالة التوزيعية بين الأجيال. إن الضمان الاجتماعي في الوجدان الأردني ليس مجرد “صندوق ادخار”، بل هو “حبل الوريد” الذي يربط المواطن بمؤسساته، وأي مساس بهذا الحبل هو مساس مباشر بالولاء الاجتماعي وبالسلم الأهلي الذي لطالما تفاخرنا به.
سياسياً، إن الهروب إلى الأمام عبر تغليظ الشروط ورفع السن يعكس عجزاً عن مواجهة “الحيتان” والمتهربين من الشمول التأميني، وعجزاً عن ابتكار أدوات استثمارية سيادية حقيقية تخلق قيمة مضافة. إنها سياسة “الحلول السهلة” التي تستهدف الحلقة الأضعف: العامل البسيط والموظف الملتزم. إن القوة الفكرية لمجتمعنا تكمن في رفض تحويل “الأمان الاجتماعي” إلى “منّة” أو “سلعة” تخضع لمزاجية الموازنات، فالأصل في التشريع هو حماية الإنسان، لا حماية الأرقام على حساب كرامة البشر. إننا اليوم أمام اختبار حقيقي لوعينا الجمعي؛ فإما أن نحفظ للعمل قيمته وللشيخوخة وقارها، أو أن نسلم رقاب مستقبلنا لتشريعات تجرد الدولة من ثوبها الاجتماعي وتترك المواطن وحيداً في مواجهة رياح العوز والضياع.