صحراء في السودان قد تتحول لمنجم يدر المليارات.. ما القصة؟

5 ساعات ago
صحراء في السودان قد تتحول لمنجم يدر المليارات.. ما القصة؟

وطنا اليوم:تحولت صحراء بيوضة في شمال السودان من رقعة رملية مهملة إلى بؤرة ثروات مستقبلية قد تغيّر وجه الاقتصاد الوطني.
فقد بات الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة، المكوّنات الرئيسة لبطاريات السيارات الكهربائية والهواتف الذكية وأنظمة الطاقة المتجددة، تحت المراقبة الدقيقة للخرطوم، التي كثفت مسوحاتها الجيولوجية وتقنيات الاستشعار عن بُعد بحثًا عن معادن قد تدر على البلاد مليارات الدولارات سنويا، وتضعها في قلب السباق العالمي للطاقة والتكنولوجيا.
ففي خطوة مهمة، أعلن وزير المعادن السوداني، نور الدائم طه، أمس الأربعاء دخول السودان عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة، بعد عقود من الاعتماد على الذهب كمصدر رئيسي للثروة.
كما كشف عن مشروع الاستكشاف بالاستشعار عن بُعد، الذي يستهدف الذهب ومعادن مثل الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة، مؤكداً أن السودان يمتلك مؤشرات قوية تؤهله للعب دور فاعل في الاقتصاد العالمي للمعادن الاستراتيجية.

الذهب لم يعد أولوية
وقال الوزير إن “العالم اليوم انتقل من الذهب إلى المعادن الصناعية والاستراتيجية، مضيفاً أن هذه المعادن أصبحت محور تحالفات سياسية واقتصادية، وأن البلاد باتت أمام فرصة تاريخية لتصبح لاعباً أساسياً في هذه المنظومة.
كما أكد الدعم الكامل للهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، التي وصفها ب”القلب النابض لقطاع التعدين”، مشدداً على أن أي استثمار في المعادن من دون علم وخبرة سيكون مضيعة للموارد الوطنية.

الهيئة تحت المجهر
إذن بعد سنوات من الإهمال، وضعت الوزارة ميزانية كبيرة للمسح الجيولوجي، مع إلزام كل ذراع من أذرع القطاع بالمساهمة في الأبحاث.
بدوره وصف المدير العام للهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، جيولوجي مستشار أحمد هارون التوم، المشروع بأنه ركيزة استراتيجية لتطوير التعدين الوطني. وأوضح أن الهيئة تعمل على إعداد خريطة جيولوجية وجيوكيميائية شاملة لتحديد مواقع المعادن واستغلالها بكفاءة، بما يضمن دعم الاقتصاد الوطني ومرحلة إعادة الإعمار المقبلة.

تحوّل استراتيجي
فيما رأى عدد من المراقبين أن هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية للسودان، من اقتصاد يعتمد على الذهب إلى اقتصاد يواكب التحولات العالمية في المعادن والطاقة النظيفة. وأشاروا إلى أن المعركة الآن ليست تعدين الذهب، بل السباق نحو المعادن التي تحدد ملامح الطاقة والصناعة المستقبلية.
كما أكدوا أن ثورة المعادن، قد تغيّر وجه السودان للأبد، إذا أحسن استثمارها بعقلية علمية واستراتيجية.
وفي ظل السباق الدولي المحموم على الليثيوم والكوبالت، تبرز بيوضة كلاعب محتمل في سلاسل الإمداد العالمية، مع وعود بتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة.

قلب البِكر الجيولوجي
وتقع صحراء بيوضة في شمال السودان، وتمتد شمال مدينة الخرطوم مباشرة. وتبدأ أطرافها الجنوبية على بعد مسافة تقدر بنحو 200 إلى 300 كيلومتر تقريباً من العاصمة، حيث تقع غرب النيل في المنطقة المحصورة بين نهر النيل (منطقة المناصير والمربعات) وصحراء النوبة، وتمتد غرباً نحو مناطق الدبة بشمال السودان.
كما تمتد هذه الصحراء على نحو 100 ألف كيلومتر مربع، محاطة بثنية نهرية كبرى من ثلاث جهات، ومقسومة بوادي أبو دوم ووادي المقدم.
أما الجزء الشرقي منها فيضم حقلا بركانيا، فيما تغطي الغرب امتدادات رملية تتخللها نتوءات صخرية داكنة، ما يمنحها أهمية استراتيجية وجيولوجية نادرة.

بحيرة أثرية ومعدن النطرون النادر
إلا أن قيمة بيوضة لا تقتصر على المعادن النادرة، بل تضم ثروة أثرية هائلة. فقد أعلن باحثون بولنديون في يونيو الماضي، العثور على بحيرةً قديمةً مالحةً، استُخرج منها معدن النطرون النادر المستخدم في تحنيط الجثث وإنتاج الزجاج والسيراميك. ويعتبر النطرون وهو معدن من فئة كربونات الصوديوم، من المعادن النادرة التي لا تتوفر إلا في مناطق محدودة جدا حول العالم.
هذا ويمثل وادي النطرون في مصر أحد أهم مصادره التاريخية، ما يستدعي حسب علماء الآثار إعادة تقييم جذري لشبكات التجارة القديمة التي كانت تربط بين السودان ومصر في ذلك الوقت.
إلى ذلك، تمكن الباحثون، بفضل جهد مضني لسنوات طويلة من العمل، من تحديد أكثر من 1200 موقع أثري جديد، منها أكثر من 400 موقع ضمن مشروع المركز الوطني البولندي للعلوم، وفقا لما نشرته دوريات علمية متخصصة.
كما أظهرت الأبحاث والكشوف الأثرية الأحفورية، أن بيوضة كانت مأهولة على مدى آلاف السنين.
إذن يقف السودان اليوم، على مفترق طرق، إما استثمار كنوز بيوضة المعدنية والأثرية بعقلية علمية وحوكمة واضحة قد يفتح أبواب التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية، أو التأخر و الإهمال ما قد يجعل بيوضة فرصة ضائعة، تاركةً الصحراء خارج الخارطة العالمية للمعادن الاستراتيجية.