بقلم: د. ذوقان عبيدات
في فترة ما من تاريخ التعليم، اجتهد تربويون لفرض عطلة صيفية طويلة قد تمتد أربعة أشهر في بعض البلدان. ثم صارت تقليدًا إلزاميّا. وكأي تقليد لم يناقش من قبَل أحد.
واختلف تربويو هذه الأيام على مدى فائدتها، أو حتى على جدوى بقائها. وليس لنا دراسات من قبَل
علماء الاجتماع، أو علماء الصحة النفسية، أو حتى التربويين ترجّح أي خيار. وهكذا بقيت القضية جدلية. وفي هذه الحالة يبقى الحكم للمنطق، وليس للعِلم!
(١)
*أرستقراطية العطلة الصيفية!*
ارتبطت العطلة الصيفية بحياة الأسَر، والمجتمعات. ففي مجتمعات الرفاهية “الوفرة” تكون العطلة فرصة للسياحة، والرفاهية، وفي مجتمعات الندرة، أو “القِلّة” تكون العطلة فرصة لتشغيل الأطفال، ومساعدة أهاليهم ماليّا.
ففي أوروبا يرحّل أهل المدن الكبرى أبناءهم من الحر؛ بحثًا عن مكان مناسب يقيهم شر الحر، كما يبحثون في عطلة الشتاء عن مكان دافىء، وهكذا، فإن العطلة سلوك أرستقراطي بدرجة عالية!
(٢)
*عطلة الحصيدة!*
يقال: إن العطلة المدرسية منذ الحكم العثماني كانت لإعطاء الأطفال فرصة المساعدة في أعمال الأهل الزراعية؛ فارتبطت
العطلة بالربيع، والصيف، وهي مواسم زراعية مهمة، يمكن استغلالها في أعمال الزراعة، وحراثة الأرض، وحراسة البيدر، وتسويق منتوجات البندورة، والبطيخ والمنتجات الغذائية الأخرى! وهذا يعني أن ليس في العطلة خير للطلبة، وعلى العكس
فإنها تكرس الأرستقراطية: أطفال فلاحون يعملون، وأطفال مترفون!!
انتهت الحصيدة، وأعمال الزراعة، وبقيت العطلة:
في الشتاء هروب من برد المدرسة. وفي الصيف هروب من حرّ المدرسة! فالأسرة أولى برعاية أبنائها: بردًا وحرارة!
(٣)
*هل مازالت العطلة ضرورة؟*
انتهت كل مسوّغات العطلة، فنحن لسنا زراعيين، والمدارس لم تعد باردة طاردة في الشتاء، ولا شديدة الحرارة في الصيف. وهذا يعني أن العوامل الجغرافية لم تعد حاسمة في فرض العطل!!
إذن؛ لماذا العطلة؟؟
يرهق الطلبة في أثناء الدراسة!
وكأي نشاط ومجهود، فإنهم يحتاجون إلى الراحة! وهذا حق إنساني! لكن هل في راحة الشعور الثلاثة خير؟
(٤)
*العطلة: نظرة حداثية!*
يقول المنطق والعلم أيضًا: إن التعلم عملية مستمرة؛ وهذا يعني إن عطلة تمتد شهورًا سوف تحدِث انقطاعًا في عملية التعلم، وهذا يتطلب إعادة تأهيل سيكولوجي للطلبة قبل خضوعهم للنظام المدرسي بداية كل عام!
(٥)
*استثمار العطلة!*
يمكن استثمار العطلة ببرمجة أنشطة “منهاجية” حرّة، تدفع التعلم المستمر في مجالات يختارها الطلبة، وفي هذا يمكن قول الكثير!
يمكن تقليص عدد السنوات الدراسية، وتقليص الأعوام الاثني عشر إلى عشرة أعوام! وبذلك نحرر الطلبة من سنوات يمكن اختصارها من دون خسائر. وفي كل الأحوال:
لا يجوز أن تبقى العطلة مرحلة ملل، ولا مرحلة يسهُل استغلالها من قبَل المتطرفين.
وتبدو الأفكار الجديدة عن عطلة الأيام الثلاثة تسهيلًا لإلغاء العطلة الشتوية، والعطلة الصيفية.
الموضوع يحتاج رؤية تربوية، نأمل أن تكون متوافرة لدى جميع التربويين في مواقع جامعية، أو رسمية، أو غير رسمية!!
فهمت عليّ؟!!






