علا الشربجي
إدارة المنطقة بمنطق الدول ليست وارده في قاموس ترامب بل المنطق الترامبي هو الصفقات. ومن لا يملك رفاهية الانفجار، يُدفَع إلى رفاهية الدفع.
ما يهمنا هنا هو الأردن، في هذا العقل التجاري الصِّرف، ليس دولة على وشك السقوط، بل دولة يمكن تحميلها ما لا يمكن تحميل غيرها، لأن استقرارها مضمون، ولأنها لا تذهب إلى المقامرة.
ترامب لا يرى في الأردن خطرًا، بل فرصة. فرصة لأن يتحمّل تبعات مشاريع لا يريد أحد تحمّل كلفتها: غزة، التهجير، “السلام” القسري، وإدارة التوتر مع إيران دون حرب. لذلك لا يضغط عليه بالتهديد، بل بالوقائع، ولا يساومه بالصوت العالي، بل بالأمر الواقع.
في غزة، المعادلة واضحة في ذهن ترامب: الدمار هناك، والكلفة الإنسانية والسياسية يجب أن تُدار خارجها. الأردن هنا ليس طرفًا في الحرب، لكنه طرف في النتائج. يُدفَع ليكون صمّام أمان، وممرًا للحلول المؤقتة، ووسادة تمتص صدمة الانفجار الفلسطيني. ليس لأنه اختار ذلك، بل لأن استقراره يسمح له بأن يُدفَع إلى هذا الموقع.
وفي ملف التهجير، يسقط القناع بالكامل. ترامب لا يتحدث عن حق العودة ولا عن القانون الدولي، بل عن “حل عملي”. والحل العملي في قاموسه يعني نقل المشكلة إلى حيث لا تنفجر. وهنا يُستَحضَر الأردن لا كدولة ذات سيادة وموقف، بل كمساحة مستقرة يمكن اختبارها سياسيًا. لا يُقال له “افعل”، بل “فكّر”. وهذه أخطر مراحل الضغط، لأن ما يُطرَح كفكرة تحت الضغط قد يتحوّل إلى خيار تحت الضرورة.
أما السلام، فليس سلامًا بقدر ما هو إدارة طويلة لصراع بلا حل. الأردن في هذه المعادلة ليس شريكًا في القرار، بل ضامنًا للاستقرار. يُطلب منه أن يبقى واقفًا، متماسكًا، هادئًا، بينما تُمرَّر المشاريع من حوله. لا يُكافَأ على ضبطه، بل يُحمَّل به.
وفي الخلفية، تُستخدم إيران كفزّاعة دائمة. ترامب يهدد ولا يضرب، يحشد ولا يحسم، لأنه يعرف أن الحرب مكلفة. والأردن، بحكم موقعه، يُدفع ليكون جزءًا من إدارة هذا التوتر: لا يشتعل، لا يعترض بصوت عالٍ، ولا يخلط الأوراق. هذا الدور “العاقل” هو بالضبط ما يجعل الضغط عليه ممكنًا ومستمرًا.
بهذا المعنى، فإن الأردن في عقل ترامب ليس دولة ضعيفة، بل دولة تُطالَب بالدفع لأنها قوية. قوة لا تنفجر، واستقرار لا ينهار، وصبر يُساء استخدامه. هنا لا تُستهدَف الدولة عسكريًا، بل يُستنزَف موقفها سياسيًا، خطوة بعد خطوة، حتى يصبح الرفض مكلفًا، والقبول أقل كلفة.
الخطر الحقيقي ليس في ضربة، ولا في تهديد، ولا في تصريح. الخطر في تحويل الاستقرار الأردني إلى فاتورة مفتوحة تُدفَع عن مشاريع الآخرين. وفي زمن ترامب، من لا يصرخ، يُدفَع. ومن لا ينفجر، يُحمَّل.
لكن التاريخ اثبت أن من يحاول المساس بالاردن سيدفع تكلفة أعلى…
لأن الدولة المستقرة لا تُباع، ولا تُساوم، ولا تُركع.






