حين يصبح الزواج مستحيلًا: الاقتصاد يضغط والمجتمع يدفع الثمن

دقيقتان ago
حين يصبح الزواج مستحيلًا: الاقتصاد يضغط والمجتمع يدفع الثمن

يزن تيسير سعاده

لم تعد ظاهرة العزوف عن الزواج في الأردن مسألة اجتماعية منفصلة عن الواقع العام، بل باتت انعكاسًا مباشرًا لأزمة اقتصادية ممتدة أثقلت كاهل المواطن، وقيّدت قدرته على بناء حياة مستقرة. فارتفاع نسب عدم الزواج، خاصة بين فئة الشباب، لا يمكن فهمه بعيدًا عن تراجع الدخل، وارتفاع البطالة، واتساع الفجوة بين متطلبات الحياة وقدرة المواطن على تلبيتها.
في عام 2026، يعيش المواطن الأردني واحدة من أكثر المراحل إنهاكًا على المستويين المعيشي والنفسي. فالدخل المتاح لم يعد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية من سكن وتعليم وصحة وغذاء، دون الحديث عن أي مظاهر رفاهية. ومع هذا الواقع، أصبح الزواج عبئًا ماليًا كبيرًا بدل أن يكون خطوة طبيعية نحو الاستقرار، ما دفع كثيرين إلى تأجيله أو التخلي عنه قسرًا.
إن البطالة، لا سيما بين الشباب، تشكّل عاملًا محوريًا في تفاقم الأزمة، لكن المشكلة لا تتوقف عند غياب فرص العمل فقط، بل تمتد إلى طبيعة الوظائف المتاحة، التي غالبًا ما توفر دخلًا لا ينسجم مع كلفة المعيشة المتصاعدة. ونتيجة لذلك، يجد المواطن نفسه عاجزًا عن الادخار أو التخطيط للمستقبل، وغير قادر على تحمل مسؤوليات أسرة في ظل غياب الأمان الاقتصادي.
ورغم تعدد المبادرات والبرامج الاقتصادية المطروحة خلال السنوات الماضية، إلا أن أثرها بقي محدودًا على حياة المواطن اليومية.
فقد انصرفت السياسات في كثير من الأحيان إلى حلول غير مباشرة أو طويلة الأمد، لا تلامس دخل الفرد بشكل فوري، ولا تعالج جوهر المشكلة المتمثل في ضعف القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.
وفي مقارنة مع تجارب دول أخرى، يتضح أن تحقيق الاستقرار المالي لا يتطلب بالضرورة تنوعًا واسعًا في الموارد، بقدر ما يحتاج إلى إدارة فاعلة واستثمار مدروس. فهناك دول استطاعت تأمين إيرادات ثابتة لعقود طويلة من خلال مورد واحد أو عدد محدود من الموارد الطبيعية، مثل النفط أو المعادن أو الطاقة، ما مكّنها من تلبية احتياجاتها الأساسية دون إثقال كاهل مواطنيها.
في المقابل، لا يزال الأردن، رغم ما يملكه من إمكانات وفرص، يواجه عجزًا ماليًا متكررًا، ما يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب عدم تحويل الموارد المتاحة إلى مصادر دخل مستدامة، بعيدًا عن الاعتماد المتزايد على الضرائب أو اللجوء إلى بيع الأصول العامة.
إن معالجة الأزمة الاقتصادية لا تكون عبر الخصخصة أو بيع ما تبقى من موارد الدولة، بل من خلال تبني نماذج استثمارية قادرة على توليد دخل ثابت وطويل الأمد، تخلق فرص عمل حقيقية، وتخفف الضغط عن المواطن، وتعيد التوازن للعلاقة بين الدخل وكلفة المعيشة.
اليوم، لم يعد المواطن الأردني يواجه صعوبة في تحسين مستوى معيشته فحسب، بل يعيش حالة من القلق المستمر تجاه مستقبله ومستقبل أبنائه. فهو غير قادر على التخطيط، ولا يشعر بالأمان الكافي ليخطو خطوات مصيرية في حياته، وعلى رأسها الزواج.
إن استمرار هذا الواقع دون مراجعة جادة وشاملة للسياسات الاقتصادية ينذر بتداعيات اجتماعية أعمق. فالعزوف عن الزواج ليس ظاهرة منفصلة، بل مؤشر خطير على خلل اقتصادي متراكم، ومعالجته تبدأ من الاعتراف بأن تحسين دخل المواطن وتوفير حياة كريمة له لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية ملحّة.

كاتب صحفي