النائب إبراهيم الطراونة … رحلة المسؤولية من العلم إلى القيادة

9 ثواني ago
النائب إبراهيم الطراونة … رحلة المسؤولية من العلم إلى القيادة

وطنا اليوم _

كتب: ليث الفراية

ليست التجربة العامة، في جوهرها، تسلسلًا زمنيًا للأحداث، بل بنية وعي تتشكّل على مهل، وتتراكم عبر اختبارات متلاحقة، لا يُقاس أثرها بما يُقال عنها، بل بما تتركه في طريقة النظر إلى العالم وإدارته ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة تجربة النائب إبراهيم الطراونة بوصفها مسارًا فكريًا وأخلاقيًا، تشكّل عند تقاطع العلم والانضباط والعمل العام، قبل أن يتخذ شكله السياسي المعروف.

منذ اللحظة التي اختار فيها أن يجعل من التعليم بوابته الأولى، بدا أن الرهان لم يكن على الشهادة باعتبارها نهاية، بل على المعرفة باعتبارها أداة لإعادة بناء الذات فقرار استكمال الدراسة الجامعية خارج الوطن، بعد إنهاء المرحلة الثانوية، لم يكن انتقالًا مكانيًا بقدر ما كان انتقالًا وجوديًا؛ خروجًا واعيًا من دائرة المألوف إلى فضاء يُختبر فيه الإنسان وحده، بلا وسائط، وبلا امتيازات جاهزة هناك، يصبح الوقت قيمة أخلاقية، ويغدو الجهد اليومي شرطًا للنجاة لا خيارًا إضافيًا.

في رومانيا، حيث درس طب الأسنان، لم يكن التخصص مجرد حقل معرفي، بل تمرينًا صارمًا على الدقة والصبر والمسؤولية المباشرة تجاه الإنسان فهذا النوع من المعرفة لا يسمح بالتهاون، ولا يقبل الحلول المؤقتة، لأنه يتعامل مع الألم بوصفه حقيقة، ومع الثقة بوصفها عقدًا أخلاقيًا وحين عاد إلى الأردن حاملًا شهادة البكالوريوس، لم يعد بالعلم وحده، بل عاد بذهنية ترى في المهنة التزامًا أخلاقيًا قبل أن تكون ممارسة تقنية.

اختياره اللاحق للالتحاق بالقوات المسلحة الأردنية طبيبًا في الخدمات الطبية الملكية لم يكن تفصيلًا عابرًا في التجربة العامة، بل كان تعبيرًا عن ميل واضح نحو النظام بوصفه قيمة، والمؤسسة بوصفها إطارًا أخلاقيًا للفعل في تلك البيئة، حيث لا يُدار العمل بالرغبة بل بالقواعد، وحيث تُقاس المسؤولية بالفعل لا بالنية، تشكّلت لديه قناعة راسخة بأن الانضباط ليس نقيض الإنسانية، بل شرطها الأعمق في العمل العام.

في الخدمات الطبية الملكية، لم تُختبر مهارته المهنية فقط، بل اختُبر أيضًا اتزانه، وقدرته على العمل ضمن منظومة لا تتمحور حول الفرد حيث الثقة التي حظي بها من زملائه لم تكن نتيجة خطاب، بل نتيجة ممارسة يومية صامتة، تراكمت حتى أصبحت جزءًا من صورته المهنية حيث في هذه المرحلة، تبلورت فكرة محورية لديه سترافقه لاحقًا وهي أن الثقة العامة لا تُطلب، بل تُبنى.

وحين انتقل إلى العمل النقابي، دخل فضاءً مختلفًا تحكمه التعددية والاختلاف والانتخاب المباشر فهنا، لم يعد الأداء يُقاس بالانضباط وحده، بل بالقدرة على التمثيل، وعلى إدارة التناقضات دون تفجيرها حيث نيله ثقة أطباء الأسنان لثلاث مرات متتالية لم يكن حدثًا انتخابيًا فحسب، بل مؤشرًا على نمط قيادي قادر على البقاء في منطقة وسطى دقيقة، بين الدفاع عن الحقوق والحفاظ على المؤسسة.

توليه رئاسة مجلس النقباء مثّل ذروة هذا المسار النقابي، حيث تتقاطع المهن مع التشريع، والمطالب مع الممكن، والطموح مع حدود الواقع. في هذا الموقع، بدا أسلوبه قائمًا على تفكيك المشكلات لا تضخيمها، وعلى إدارة الحوار بوصفه أداة إصلاح لا ساحة صراعزومن داخل هذا الفهم، أسس مع مجموعة من زملائه تيارًا نقابيًا استمر لدورتين متتاليتين، لم يقم على الأشخاص بقدر ما قام على فكرة الإصلاح المؤسسي بوصفه مسارًا طويل النفس.

الانتقال إلى المسؤولية الوطنية الأوسع، عبر عضوية مجلس الأعيان بثقة جلالة الملك، مثّل لحظة مفصلية في هذا المسار هنا، لم تعد القضايا تُقرأ من زاوية قطاع أو مهنة، بل من منظور الدولة بوصفها كيانًا مركبًا، تتشابك فيه المصالح، وتتطلب قراراته أعلى درجات الاتزان في هذا الموقع، يصبح الصمت أحيانًا أكثر حكمة من الكلام، وتغدو الموازنة بين المتناقضات فعلًا سياسيًا بحد ذاته.

ومن هذه التجربة، جاء الانخراط في العمل الحزبي المنظم، عبر حزب الميثاق الوطني، وعضوية مكتبه السياسي فهذا الخيار عكس قناعة بأن السياسة الحديثة لا تُدار من الهامش، ولا تُختزل في ردود الفعل، بل تُبنى داخل أطر تنظيمية قادرة على إنتاج البرامج وتحمل المسؤولية حيث العمل الحزبي هنا لم يكن هوية إضافية، بل امتدادًا لمنهج يؤمن بالمؤسسة، وبأن الفعل السياسي بلا إطار يتحوّل إلى انفعال عابر.

في مجلس النواب، حيث نال ثقة أبناء محافظة الكرك، دخلت هذه التجربة مرحلة جديدة من الاختبار فالتمثيل النيابي ليس مساحة خطاب، بل مساحة مساءلة وترؤسه لكتلة الميثاق الوطني النيابية وضعه في موقع يتطلب إدارة الاختلاف داخل الكتلة، وصياغة مواقف جماعية في بيئة سياسية شديدة التعقيد حيث هنا، تتجلى القيادة لا في رفع الصوت، بل في القدرة على تثبيت الاتجاه.

في المحصلة النهائية، لا يمكن قراءة التجربة العامة لإبراهيم الطراونة بوصفها مجموعة من المواقع، بل بوصفها مسارًا معرفيًا وأخلاقيًا متدرجًا مسار بدأ بالعلم، وتعزّز بالانضباط، وتعمّق في العمل النقابي، واتسع في المسؤولية الوطنية، واستقر في العمل السياسي النيابي والحزبي.