الدكتور محمد يوسف حسن بزبز
سفير جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي
—
في اليوم العالمي للشجرة، لا يكتفي الأردن برفع شعار أخضر أو إطلاق حملة موسمية عابرة، بل يجدد التزامه برؤية وطنية راسخة تعتبر البيئة ركنًا أصيلًا من أركان الاستقرار والتنمية المستدامة وحماية حق الأجيال القادمة في حياة آمنة ومتوازنة، فالشجرة في الوعي الأردني ليست مجرد عنصر جمالي في المشهد الطبيعي، بل قيمة وطنية وسلوك حضاري وأداة فاعلة في مواجهة التحديات المناخية والبيئية المتسارعة.
وتكتسب هذه المناسبة أهميتها في بلد يواجه شح المياه وتراجع الغطاء النباتي واتساع رقعة التصحر، ما يجعل من حماية الأشجار وزيادة الرقعة الخضراء ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل، ومن هنا جاء الاهتمام الرسمي المتواصل بالتشجير وإدارة الموارد الطبيعية انسجامًا مع التوجيهات الملكية التي تؤكد أن حماية البيئة مسؤولية وطنية مشتركة وليست شأنًا ثانويًا أو مؤقتًا.
لقد أثبتت التجربة الأردنية أن التعامل مع الشجرة لم يكن نظريًا أو خطابيًا فحسب، بل تُرجم إلى خطط وبرامج عملية تقودها وزارة الزراعة بالشراكة مع البلديات والمؤسسات التعليمية والمجتمع المحلي، حيث أُطلقت حملات وطنية لإعادة تأهيل الغابات وزراعة الأشجار الحرجية والمثمرة ومكافحة التعديات على الأراضي الحرجية إلى جانب برامج توعوية تستهدف الطلبة والشباب لترسيخ ثقافة بيئية قائمة على الفهم والسلوك المسؤول.
وتتجلى الأبعاد النظرية لهذه الجهود من خلال تبني مفاهيم الاستدامة وحماية التنوع الحيوي ومواجهة التغير المناخي، إذ تعد الشجرة خط الدفاع الأول في حفظ التربة وتقليل الانجراف وتحسين جودة الهواء وتعزيز التوازن البيئي، أما على المستوى العملي فتُترجم هذه المفاهيم إلى مشاريع تشجير ميدانية وحملات تطوعية ومبادرات مدرسية وجامعية تُحوّل الوعي البيئي إلى ممارسة يومية ملموسة.
وتحتل وزارة التربية والتعليم دورًا محوريًا في ترسيخ هذا الوعي البيئي وبنائه على أسس تربوية راسخة، إذ لم تعد الشجرة موضوعًا عابرًا في المناهج الدراسية بل أصبحت جزءًا من منظومة القيم الوطنية والسلوكيات الإيجابية التي تُغرس في نفوس الطلبة منذ المراحل الأولى، وقد حرصت الوزارة على دمج المفاهيم البيئية في المناهج والأنشطة اللامنهجية وتعزيز برامج الخدمة المجتمعية والمبادرات المدرسية التي تشجع الطلبة على المشاركة الفاعلة في حملات التشجير وحماية الحدائق المدرسية والمحافظة على الغطاء النباتي في محيط مدارسهم ومجتمعاتهم المحلية، فغرس شجرة في ساحة المدرسة لا يعلّم الطالب مهارة الزراعة فحسب بل يزرع فيه قيمة الانتماء وروح المسؤولية واحترام الطبيعة باعتبارها شريكًا في الحياة لا موردًا يُستنزف، كما تسهم هذه الأنشطة في تنمية الحس الوطني لدى الطلبة وتعزيز مفهوم المواطنة البيئية القائمة على الفعل لا على الشعارات، وتعمل المدارس الأردنية بالتعاون مع مديريات التربية والتعليم والمؤسسات الرسمية والمجتمعية على تنظيم أيام بيئية مفتوحة ومشاريع تشجير وورش توعوية تُحوّل المدرسة إلى مساحة حيّة لنشر الثقافة البيئية وربط المعرفة النظرية بالممارسة الميدانية.
وفي المجتمع الأردني ارتبطت الشجرة بالهوية والثبات والأرض التي لا تُفرّط فكانت رمزًا للكرم والجذور والامتداد التاريخي، وهذا الارتباط الثقافي يمنح الجهود البيئية بعدًا وجدانيًا يعزز من استدامتها ويجعل حماية الشجرة سلوكًا نابعًا من القناعة لا من الإلزام، فالشجرة في الوجدان الأردني ليست مجرد كائن حي بل شاهد على التاريخ وحارس للذاكرة وعنوان للاستقرار في وجه التحولات.
إن اليوم العالمي للشجرة لا ينبغي أن يُختزل في صور تذكارية أو عبارات احتفالية بل يجب أن يكون محطة مراجعة للسياسات البيئية وفرصة لتعزيز الشراكة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني ومنطلقًا لمبادرات عملية تحافظ على الغطاء النباتي وتوسّعه، فكل شجرة تُزرع اليوم هي استثمار في هواء الغد وأمن الغذاء واستقرار البيئة.
وفي ظل التحديات المناخية المتسارعة يثبت الأردن أن الإرادة الواعية قادرة على تحويل محدودية الموارد إلى قوة إنجاز وأن حماية الشجرة ليست ترفًا بيئيًا بل ضرورة وطنية تمس الأمن الصحي والاقتصادي والاجتماعي، فالأرض التي تُصان أشجارها تُصان كرامتها والوطن الذي يحمي بيئته يحمي مستقبله.






