حكومة الكاميرات… حين تُراقَب المخالفة ويُترك الفقر بلا شاهد في هذه البلاد

دقيقتان ago
حكومة الكاميرات… حين تُراقَب المخالفة ويُترك الفقر بلا شاهد في هذه البلاد

بقلم د.فلاح العريني..
الحكومة لا تعاني من ضعفٍ تقني، ولا من فقرٍ في الوسائل، ولا من عجزٍ في أدوات الرقابة.
الحكومة ترى جيدًا… لكنها تختار ماذا ترى.
ترى سرعتك الزائدة، فتصل المخالفة قبل أن يبرد محرك السيارة.
ترى حزام الأمان غير مربوط، ولو لثوانٍ.
ترى الهاتف في يدك، ولو كنت ترد على طوارئ.
ترى اللوحات، والترخيص، والمتسول، والعابر، والمخالف الصغير.
لكنها، وبقدرة سياسية عجيبة، تعجز عن الرؤية حين يصبح المشهد فاضحًا.
تعجز عن وضع كاميرا واحدة عند حاويات القمامة،
لا لحماية الحاوية،
بل لحماية كرامة الفقراء الذين يبحثون فيها عن لقمة عيش.
تعجز لأن الصورة موجعة،
ولأن العدسة هنا ستسأل: كيف وصل المواطن إلى القاع؟
هذه حكومة  تراقب الشارع، لكنها لا تراقب الموازنة. لا تضع كاميرات على أبواب المال العام الذي نُهِش باسم الدولة،
ولا توثق كيف يدخل المال ويخرج، من يوقّع، من يبرر، من يصمت، ومن يُكافأ. نريد كاميرا على المال العام، كاميرا لا تعرف المجاملة،تسجّل الهدر كما هو،
وتكشف أن الفساد ليس خللًا عارضًا، بل ممارسة محمية بالصمت.
ونريد ألف كاميرا على “مدينة عمرة”،تلك المدينة التي نجهل عنها كل شيء إلا أرقامها المرعبة. مشروع بحجم مدينة،لكن بلا شفافية مدينة،
بلا تفاصيل، بلا محاسبة، بلا خطاب مفهوم للرأي العام. مدينة من أرقام وإسمنت، لا من ثقة ووضوح.
ونريد كاميرات في المستشفيات، لا لمراقبة الأطباء، بل لمراقبة الموت الصامت: مريض يموت لأنه لا يملك ثمن العلاج،طفل يُحال من مستشفى لآخر لأنه “غير مؤمَّن”،
إنسان يُؤجَّل علاجه حتى يصبح رقمًا في نشرة. ونريد كاميرات في الدوائر الحكومية،ترصد الترهل الإداري، وتسجل كيف تتحول المعاملة البسيطة إلى رحلة إذلال،
وكيف تُقتل الساعات بلا عمل، ويُقتل المواطن بالانتظار. ونريد كاميرات على أبواب الجامعات،
لتسأل: متى صار التعليم عبئًا لا حقًا؟
ولماذا يُدفع الشباب إلى اليأس بدل المستقبل؟
ولا يكتمل المشهد دون كاميرا على باب مجلس النواب،
لا لتصوير الدخول والخروج،
بل لتسجيل الهمس.همس الصفقات،
همس الصمت،
همس التنافس على من يُذلّ المواطن أكثر سعيًا لكسب ودّ الحكومة.
مجلس يُفترض أن يرفع الصوت،
فإذا به يتقن خفض الرأس.
ولا تنسوا كاميرا للشيوخ والوجهاء،
أولئك الذين يُستدعون عند كل زيارة رسمية،
يتجرعون العبارات الجاهزة ، يحفظون الدرس بامتياز، ويقرأونه أمام المسؤول بنبرة مطمئنة: “نحن بخير… كل شيء بخير”.
لكن حذارِ من تصوير العورة.لا تُظهِر فراغ الموقف،ولا تفضح سقوط الدور، ولا تكشف الفرق بين الحكمة والتواطؤ. فالعورة هنا ليست جسدًا…
بل موقفًا.
هذه ليست حكومة بلا كاميرات.
هذه حكومة بكاميرا واحدة…
كاميرا موجَّهة إلى الأسفل،
تحاسب الضعيف،
وتتعمد العمى أمام القوي.
ترى المخالفة الصغيرة،
وتتجاهل الجريمة الكبيرة.
المشكلة ليست في التكنولوجيا،
بل في الإرادة.
ليست في العدسة،
بل في اليد التي توجهها.
وحين تصبح الكاميرا أداة عدالة لا أداة خوف،
سنراها على أبواب المال العام قبل الشوارع،
وعند مداخل المستشفيات قبل الأرصفة،
وفوق مكاتب القرار قبل أعمدة الكهرباء.
وحتى ذلك الحين،
ستظل الكاميرات شاهدة على حقيقة واحدة:
أن الحكومة  تخاف من المواطن…
ولا تخاف على المواطن.