الدكتور محمد الهواوشة يكتب: عندما تُغلق الأبواب في وجه الكفاءات… وتُفتح بالوراثة.

دقيقتان ago
الدكتور محمد الهواوشة يكتب: عندما تُغلق الأبواب في وجه الكفاءات… وتُفتح بالوراثة.

الدكتور محمد الهواوشة :
عندما تُغلق الأبواب في وجه الكفاءات… وتُفتح بالوراثة.
في أي دولة تسعى لترسيخ الاستقرار وتعزيز ثقة مواطنيها بمؤسساتها، لا يمكن تجاهل القضايا التي تمس جوهر العدالة وتكافؤ الفرص، حتى لو بدت في ظاهرها قانونية. فالقانون وحده لا يكفي، عندما تكون الثقة العامة على المحك.
أثار الرأي العام مؤخرا جدلا واسعا حول تعيين إحدى حديثات التخرج في موقع رسمي سيادي حساس، فور إنهاء دراستها خارج البلاد، في ظل تولي أحد والديها منصبا حكوميا رفيعا مرتبطا مباشرة بملف التوظيف والفرص والعدالة في سوق العمل.
وبغض النظر عن صحة الإجراءات من عدمها، فإن السؤال المشروع يبقى: أين تقف الشفافية؟ وأين يفعل مبدأ تضارب المصالح؟
القضية هنا لا تتعلق بالشخص المعني، ولا بكفاءته، ولا بحقه في العمل، بل تتعلق بالمبدأ العام الذي يجب أن يحكم كل التعيينات في المواقع الحساسة، وخاصة تلك التي تمثل رأس الهرم الإداري والسياسي في الدولة. فهذه المواقع لا يجب أن تكون محل اجتهاد أو تأويل، بل نموذجا يحتذى به في النزاهة والوضوح.
تضارب المصالح لا يعني اتهاما بالفساد، بل هو توصيف قانوني وأخلاقي لحالة يكون فيها الموقع الوظيفي أو النفوذ العائلي قادرا، حتى دون تدخل مباشر، على خلق شبهة أفضلية غير عادلة. وفي الدول التي تحترم مواطنيها، يتم التعامل مع مثل هذه الحالات عبر الإفصاح العلني، وتوضيح آليات الاختيار، والإقرار بتضارب المصالح كإجراء وقائي يحمي المؤسسات قبل الأفراد.
غياب الإعلان الواضح عن آلية التعيين، أو شروط المنافسة، أو عدد المتقدمين، يفتح الباب أمام الشكوك، ويغذي شعورا عاما بالإحباط، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات البطالة، وانتظار آلاف الشباب لفرصة عمل تقابل مؤهلاتهم وتعبهم وسنوات دراستهم.
الأخطر من التعيين ذاته، هو الرسالة الضمنية التي قد تصل إلى الشارع: أن الاجتهاد وحده لا يكفي،
وأن القرب من مواقع القرار قد يختصر الطريق،
وأن العدالة قد تكون انتقائية.
وهذا تحديدا ما يهدد الثقة الصامتة بين المواطن والدولة.
نحن لا نطالب بإقصاء أحد، ولا بمحاكمات إعلامية، بل نطالب بأبسط مقومات الدولة الحديثة:
الشفافية، والمساءلة، وتفعيل مبدأ تضارب المصالح دون استثناء.
فالدولة القوية لا تخشى الأسئلة،
والمسؤول الحقيقي لا يتحصن بالصمت،
والمنصب العام ليس امتيازا،
بل مسؤولية وطنية.
وإن كنا نريد مستقبلا أكثر عدالة،
فالعدالة يجب ألا تمارس فقط،
بل أن ترى بوضوح.