توريث الوظائف… حين تغيب العدالة وتتحول الفرص إلى امتيازات النخبة

43 دقيقة ago
توريث الوظائف… حين تغيب العدالة وتتحول الفرص إلى امتيازات النخبة

وطنا اليوم-قاسم العمرو-إن تعيين أبناء الوزراء والمتنفذين في مواقع وظيفية حساسة، في وقت تُغلق فيه الأبواب أمام شرائح اجتماعية واسعة من الشباب المؤهلين، لا يمكن اعتباره مجرد “خطأ إداري” أو “صدفة بريئة”، بل هو سلوك خطير يراكم مشاعر الغبن، ويؤسس لحالة من الاحتقان الاجتماعي، وينذر بانفجار صامت في صدور المحبطين.

ما يتداوله ناشطون اليوم حول تعيين ابنة أحد الوزراء في موقع مهم بعد أسابيع قليلة من تخرجها، مع الإشارة إلى أنها درست على نفقة الخزينة العامة، يفتح باباً واسعاً للأسئلة المؤلمة: لماذا يُحرم غالبية أبناء الشعب من هذا الامتياز؟ وعلى أي أساس تُمنح الفرص؟ وهل بات الانتماء الطبقي أو القرابة السياسية بديلاً عن الكفاءة والاستحقاق؟

الأخطر من التعيين ذاته، هو الرسالة التي تُبعث إلى آلاف الشباب: أن الاجتهاد لا يكفي، وأن الشهادات لا تشفع، وأن العدالة في الفرص ليست سوى شعار يُرفع عند الحاجة. هنا تحديداً تتعمق أزمة الثقة بين المواطن والدولة، ويشعر الناس بأنهم خارج معادلة الوطن، لا شركاء فيه.

إن ما يجري يتناقض بشكل صارخ مع ما أكده جلالة الملك عبدالله الثاني في أوراقه النقاشية، التي دعت بوضوح إلى تعميق الديمقراطية، وتعزيز العدالة، وترسيخ سيادة القانون، وبناء مواطنة قائمة على تكافؤ الفرص والمساواة أمام الدولة. كما شددت تلك الأوراق على أن المسؤول، قبل غيره، مطالب بالامتثال لقيم النزاهة والعدالة، لا التحايل عليها عبر توريث المواقع وتحويل الدولة إلى شبكة مغلقة.

في عصر الفضاء المفتوح، لم تعد مثل هذه الممارسات تمرّ بهدوء. فوسائل التواصل الاجتماعي كسرت احتكار الرواية، وجعلت الناس شهوداً على التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش. ومع كل حالة محسوبية جديدة، يتآكل في نفوس المواطنين شيء من حب الوطن، ويتعزز شعور بالحقد الطبقي، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع.

الدولة القوية لا تُبنى بتوريث المناصب، ولا بحماية الامتيازات، بل بعدالة الفرص، وشفافية التعيين، ومحاسبة من يسيء استخدام السلطة. أما الاستمرار في تجاهل هذه الإشارات، فسيؤدي إلى تعميق الشرخ الاجتماعي، وتحويل الإحباط إلى قناعة راسخة بأن الدولة لا تنصف أبناءها.

وهنا السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: إلى أين تقودنا هذه السلوكيات؟

وهل نملك ترف تجاهل العدالة في بلد لا يملك إلا تماسكه الاجتماعي ورصيد الثقة بين الدولة ومواطنيها؟