بقلم إبراهيم أحمد السيوف
في الجامعات الأردنية، يبدو الوعي السياسي كجهاز كهربائي ممتاز، يأتي مع ضمان طويل وشعار أنيق، لكن كلما حاولت تشغيله اكتشفت أن السلك غير موصول بالمأخذ. الشباب متحمس، الهيئات تبذل جهدًا، المنشورات رسمية، الصور جميلة… لكن النتيجة النهائية غالبًا: “لا توجد إشارة، الرجاء المحاولة لاحقًا.”
دعونا نتحدث بصراحة… ولكن بطعم الضحك لا بطعم المرارة فقط.
لدينا في الأردن هوية راسخة لا تحتاج إلى تصويت، ونظام ملكي هاشمي يحظى برصيد شرعي وتاريخي يجعل الشعب يقف خلفه بثقة، ولدينا وطن يعرف قيمته أكثر مما يعرف العالم نفسه. ومع ذلك، في الجامعات يحدث أمر لطيف ومؤلم ومعقد في آن واحد: السياسة موجودة… لكن أحيانًا بصفة “صديق أونلاين، لا يرد على الرسائل”.
الهيئات والمؤسسات التي تعمل على “تمكين الشباب سياسيًا” ليست أسطورة خيالية؛ إنها حقيقة تبذل جهداً كبيرًا، تعقد برامج، تحاور، تنظم، تخطط، وتكرر الجملة الذهبية: “الشباب هم المستقبل.”
لكن المشكلة أن المستقبل يبدو وكأنه وصل إلى الجامعة… ثم نسي بطاقته على الباب.
الورش تُقام، الحوارات تُدار، الكاميرات تعمل، والإضاءة مثالية… ثم بعد انتهاء الفعالية، يعود الشباب إلى واقع يشبه تطبيقاً تجريبياً للسياسة: نسخة “Demo”، تعمل لدقائق… ثم تغلق تلقائيًا.
أما بعض الشباب—وأقول “بعضهم” حتى لا تُعلن الحرب—فيمارس السياسة بطريقة تشبه متابعة “المسلسلات التركية”:
أحداث ساخنة!
مشاعر ملتهبة!
ثم فجأة ملل، فيغلق الحلقة ويذهب للنوم.
السياسة بالنسبة للبعض هي “بوست مشعلل”، “ستوري حاد”، وعبارة “أنا مهتم بالشأن العام”… ثم ينتهي الاهتمام عند أول مادة قانونية جادة، أو أول تحليل يحتاج أكثر من 8 سطور.
ومع ذلك… لا يُخدع أحد:
في الجامعات الأردنية عقولٌ عظيمة لو أُطلقت لأضاءت نصف المنطقة سياسيًا.
هناك شباب يعرف معنى الدولة، يدرك ثقل الهوية الأردنية، ويحترم النظام، ويمتلك حسًا وطنيًا عالي الجودة، لا تحدّه مؤثرات إنستغرام ولا ضجيج صالات النقاش. لكن هذا الوعي—للأسف—يُدار أحيانًا بأسلوب “وضع الطيران”: موجود… لكن غير نشط.
الأزمة ليست في نية الدولة… فالهيئات تحاول فعلًا، وتطرق الأبواب بجدية.
الأزمة ليست في الشباب… فالعقول جاهزة.
الأزمة تكمن في المسافة بين “المحاولة” و”النتيجة”.
كأننا نملك مفتاح التمكين… لكننا نخاف إدخاله في القفل بقوة كافية.
نحتاج صراحة أعمق، مساحة أوسع، ثقة أكبر.
نحتاج أن نعامل الشباب كما هم: شركاء لا ديكورًا للصور، قوة فكر لا فقرة في برنامج احتفالي.
نحتاج أن تتحول السياسة الجامعية من “بروتوكول مهذّب” إلى تجربة مسؤولة، واعية، جادة… ولكن لا مانع أن تظل بخفة الدم الأردنية المعروفة.
الخلاصة؟
الوعي السياسي في الجامعات الأردنية ليس ميتًا… بل حيٌّ، يضحك أحيانًا من شدة الألم، ويبتسم ساخرًا كأنه يقول: “أنا هنا… فقط أعطوني مساحة كرامة حقيقية وأريكم كيف تُكتب السياسة بنكهة أردنية لا تُقلّد أحدًا.”
وعندما يحدث ذلك، لن يكون الشباب مجرد جمهور يصفق.
سيكونون، كما أراد الوطن دائمًا… جزءًا من صناعة المشهد، لا مجرد حضور جميل ف






