بقلم المحامي حسين احمد الضمور
في زمنٍ اختلطت فيه المعايير، لم تعد الصراحة فضيلة تُحترم، بل صارت تُصنَّف جريمة، ويُنظر إلى الوضوح على أنه تهوّر أو إساءة. كأن الحقيقة لم تعد مرغوبة، وكأن المجاملات الزائفة أضحَت أَولى من كلمة صادقة تُقال في وقتها.
نرفض الصراحة لا لأنها خاطئة، بل لأنها تُحرج، تكشف الخلل، وتضع الإصبع على الجرح. الصراحة لا تُجامل ولا تساوم، وهذا ما يجعلها ثقيلة على النفوس التي اعتادت التبرير والهروب من المسؤولية. فالوضوح يفرض موقفًا، والموقف يتطلب شجاعة، والشجاعة باتت عملة نادرة.
المؤلم أن المجتمع الذي يُدين الصادق، يكافئ المنافق، ويُقصي من يقول الحقيقة، ويفتح الأبواب لمن يُتقن فن الالتفاف. فصرنا نطلب رأيًا، لكننا لا نقبل إلا ما يُرضينا، ونبحث عن النصيحة، شرط ألا تُخالف أهواءنا.
الصراحة ليست قسوة، بل احترام للعقل والضمير. وهي لا تعني التجريح، كما أن الوضوح لا يعني العدوانية. إنما الجريمة الحقيقية هي في تزييف الواقع، وتغليف الأخطاء بورقٍ لامع، حتى تتراكم وتنفجر في وجوه الجميع.
حين تُقمع الصراحة، يعلو صوت الزيف، وحين يُحارب الوضوح، يسود الغموض، وتضيع البوصلة. فلا إصلاح دون صدق، ولا علاج دون تشخيص، ولا وطن يُبنى على المجاملة.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الكلام المنمّق، بل إلى كلمة حق تُقال، ولو كانت مُرّة. فالصراحة قد تُغضب لحظة، لكنها تُنقذ مستقبلًا، أما السكوت عن الخطأ، فهو شراكة فيه… وإن طال الزمن.
حين نرفض الصراحة تصبح الحقيقة مدانة






