مبغوضة… وجابت بنت

47 ثانية ago
مبغوضة… وجابت بنت

م مدحت الخطيب
هذه الجملة ليست زلّة لسان ولا موروثاً اجتماعياً بريئاً انفردت به المجتمعات في عالمنا الثالث مع اختلاف اللفظ والمعني ، بل بياناً سياسياً مُختصراً، يُقال في البيت ويُمارَس في الدول،

حين تُوصم امرأة بـ“المبغوضة” لأنها أنجبت بنتاً، فنحن لا نرى ظلماً عائلياً وتمييزا فحسب، بل نلمس جوهر عقلية حكم كاملة : عقلية تعاقب الحلقة الأضعف رغم أنها من تتحمل وتصبر بصمت، وتُبرّئ من يملك السلطة والقوة والقرار ، فهي تصنع رواية تُدين الضحية وتُحصّن الطرف الآخر وتقوي شوكته حتى ولو بالباطل
هي ذاتها في السياسة، كما في الأسرة المتخشّبة، لا يُحاسَب صناع القرار على اخطائهم بل يُحاسَب المتلقي البسيط
لا يُسأل المسؤول عن الأزمة، بل يُسأل المواطن: لماذا لم يصبر ويتحمل؟
لا يُلام صاحب القرار على الفشل، بل يُلام الشعب: لماذا يكثر من التذمّر؟
تماماً كما لا يُسأل الرجل عن جهل بيولوجي عمره آلاف السنين، بل تُدان المرأة لأنها “جابت بنت”.
هذه الجملة ليست قاسية لأنها مهينة فقط وفيها خروج عن شرع الله، بل لأنها كاذبة صدقناها منذ آلاف السنين .
كاذبة علمياً وقد ثبت ذلك بالحجة والبرهان العلمي بأن تحديد جنس المولود ليس بيد الأم،بل بيد الرجل ..
وكاذبة سياسياً حين تتجاهل أن الأزمات لا يصنعها المواطن الغلبان، بل تُصنَع في غرف القرار، وتُدار بسياسات خاطئة، تُراكم حتى تنفجر…
“مبغوضة وجابت بنت” هي النسخة العائلية من البلاغ الحكومي في عالمنا الثالث
لغة واحدة، منطق واحد، وهدف واحد:
إلقاء اللوم على الحلقة الأضعف، ورفع المسؤولية عن الأعلى
شماعة جاهزة، تفسير مُعلّب، ومتهم أعزل لا يملك حق الدفاع عن نفسه
الجملة تكشف تشابهاً مخيفاً بين بنيتين: سلطة أبوية في البيت، وسلطة سياسية في الدولة..
كلتاهما تحكم باسم “العرف” أو “المصلحة العليا”
كلتاهما تعتبر السؤال وقاحة وتدخل سافر، والاعتراض خيانة،
وكلتاهما تطلب من الضحية أن تصمت وتتحمل دون جدال أو نقاش كي لا تهتز هيبة السلطة…
المفارقة القاتلة أن الأنظمة التي تمنع الناس من التفكير، هي ذاتها التي تُغذّي هذا التفكير..
لا اعتراف علمي في البيت.
ولا اعتراف بالمسؤولية في الدولة..
كلاهما يختار الطريق الأسهل: جلد الضعيف لحماية صورة القوي ومهما كلف الأمر ..
في وطن تُستقبل فيه الطفلة وكأنها إعلان فشل، لا تستغرب أن تُستقبل الحقيقة السياسية بالطريقة نفسها:
تشويه، تبرير، إسكات.
وفي مجتمع يسمح بإهانة أمّ لأنها أنجبت بنت، لن يتردد في إهانة شعب لأنه اعترض…
القضية هنا ليست بنتاً ولا امرأة، بل منظومة قيم..
منظومة ترى أن القوة تُعفي من الخطأ، وأن الضعف تهمة،
وأن الاعتراف بالمسؤولية أخطر من استمرار الظلم..
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بقوانين فقط وشعارات براقة، بل بكسر هذه العقلية والصدق و المكاشفة ليصبح الجميع شركاء في صنع القرار..
عقلية تحميل الضعيف خطايا القوي هذا ابشع أنواع الظلم والأجرام …
عندها سنفهم أن الطفلة ليست خطأ،
كما أن المواطن ليس خطأ.
وأن قيمة المجتمع، مثل قيمة الدولة، لا تُقاس بعدد من تُسكتهم،
بل بعدد من تُنصفهم.
عندها فقط،
تصبح “جابت بنت” عبارة فخر لا إهانة،
وتتحول السياسة من إدارة للأعذار…
إلى صناعة للمستقبل…