بقلم الدكتور نبيل العتوم
إذا صحّ ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تنفيذ ضربة واسعة داخل فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله مع زوجته إلى خارج البلاد، فإن الحدث يتجاوز كونه تطورًا أمنيًا في أميركا اللاتينية، ليشكّل تحوّلًا نوعيًا في طريقة إدارة واشنطن لصراعاتها مع الأنظمة المصنّفة خصمًا أو متمرّدة على إرادتها السياسية. ما جرى، أو ما كُشف عنه، لا يمكن قراءته بمعزل عن الرسائل الأبعد التي تتجاوز كراكاس، وتصل مباشرة إلى طهران، حيث يقف علي خامنئي في مركز نظام يعتمد في تماسكه على شخص المرشد بوصفه الضامن الأعلى لاستمرارية الدولة والنظام معًا.
العملية في بعدها الرمزي تقول إن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بسياسات الاستنزاف الطويل عبر العقوبات والعزل الدبلوماسي، بل باتت مستعدة – عند اللحظة التي تراها مناسبة – للانتقال إلى خيار الصدمة المباشرة، أي ضرب رأس النظام بدل الاكتفاء بإضعاف أطرافه. فنزويلا، بما تمثّله من نموذج لدولة صمدت سنوات تحت العقوبات وبنت شبكة تحالفات مع روسيا وإيران، تحوّلت فجأة إلى ساحة اختبار لمعادلة جديدة عنوانها أن السيادة لم تعد مظلة حماية مطلقة، وأن التحصّن داخل العاصمة لا يعني بالضرورة الإفلات من الاستهداف.
في طهران، يُقرأ هذا التطور باعتباره كسرًا لمحظور ظلّ قائمًا لعقود، مفاده أن اغتيال أو اعتقال قادة الدول يُعدّ خطًا أحمر لا تُقدم عليه القوى الكبرى إلا في حالات استثنائية. إعلان ترامب، سواء كان تمهيدًا لمرحلة تصعيد أو جزءًا من حرب نفسية مدروسة، يعيد طرح سؤال بالغ الخطورة داخل أروقة النظام الإيراني: هل ما كان يُعدّ سابقًا سيناريوًّا مستبعدًا ما زال كذلك؟ أم أن نموذج “قطع الرأس” بات خيارًا مطروحًا . حين تصل المواجهة إلى طريق مسدود؟
الرسالة المبطّنة إلى خامنئي لا تتعلق فقط بشخصه، بل ببنية النظام الإيراني ككل؛ فالنظام الذي يقوم على مركزية المرشد وشبكة الحرس الثوري قد يجد نفسه، في حال تعرّضت القمة لهزة مفاجئة، أمام فراغ قيادي يصعب ضبطه في ساعاته وأيامه الأولى، وهنا تكمن خطورة النموذج الفنزويلي: ليس لأنه قابل للتكرار حرفيًا، بل لأنه يزرع الشك داخل الأنظمة المشابهة حول متانة حلقاتها الأمنية، وقدرتها على امتصاص صدمة من هذا النوع.
من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى ما جرى باعتباره أداة ضغط قصوى أكثر منه إعلان حرب شاملة ؛ فواشنطن لا تحتاج إلى تكرار السيناريو في أكثر من ساحة كي تحقّق هدفها؛ يكفي أن تلوّح به بوصفه احتمالًا قائمًا. هذا النوع من الردع النفسي يضع خصومها أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في سياسات التصعيد والمراهنة على استحالة الوصول إلى القمة، أو إعادة حساب الكلفة والمخاطر في ضوء واقع جديد باتت فيه الخطوط الحمراء أقل ثباتًا مما كانت عليه.
توقيت الإعلان كذلك لا يقل أهمية عن مضمونه؛ فهو يأتي في ظل تعثّر المفاوضات مع إيران، وتسريعها لوتيرة النووي والصاروخي ، وتصاعد التوتر في أكثر من جبهة، وقناعة أميركية متزايدة بأن العقوبات وحدها لم تعد كافية لتغيير سلوك الأنظمة المستهدفة. في هذا السياق، يصبح اعتقال مادورو – إذا تأكد – رسالة مزدوجة: إسقاط حليف لخصوم واشنطن من جهة، وتوجيه إنذار مبكر لحلفائه الآخرين من جهة ثانية، بأن مرحلة إدارة الصراع قد دخلت طورًا أكثر خشونة وأقل قابلية للتنبؤ.
في المحصلة، ما حدث في فنزويلا، أو ما أُعلن عن حدوثه، لا يمكن فصله عن معركة الإرادات الكبرى الجارية على مستوى النظام الدولي… الرسالة إلى خامنئي ليست دعوة مباشرة فقط للمواجهة؛ بل تحذيرًا استراتيجيًا بأن الرهان على الزمن، أو على تحصين القمة، قد لا يكون كافيًا في عالم باتت فيه الضربات الخاطفة جزءًا من أدوات إعادة تشكيل السياسة.






