وطنا اليوم- خاص- ليست السيول هي التي جرفت بلدة العراق، فالسماء تمطر منذ أن عرف الناس الأرض، لكن الذي جرف البلدة فعليًا هو الإهمال حين يلبس بدلة رسمية، ويجلس خلف مكتب، ويوقّع الوعود ثم يتركها تموت في الأدراج حيث ما حدث لم يكن مفاجئًا، ولم يكن قضاءً لا يُرد، ولم يكن خارج التوقع أو الحساب، بل كان نتيجة طبيعية لمسار طويل من التسويف، ومسلسل متكرر من اللامبالاة، واستهانة واضحة بحياة الناس وأرزاقهم.
في بلدة العراق، لم يكن الخطر خفيًا، ولم تكن المؤشرات بحاجة إلى خبير ليقرأها حيث الخلل كان معروفًا، والمشكلة مشخصة، والحل واضحًا، ومع ذلك تُركت البلدة تواجه مصيرها وحدها، وكأن المعرفة وحدها تكفي، وكأن الاعتراف يغني عن الفعل.
المسؤول الأول عن هذا الملف لم يكن غائبًا عن المشهد، بل كان حاضرًا، شاهدًا، وواعِدًا حيث رأى الخلل بعينه، وسمع صراخ الأرض قبل أن تسمعه السماء، واعترف بأن المشكلة معروفة، وأن الحل ممكن، ثم غادر دون أن يتحول هذا الاعتراف إلى قرار وهنا تبدأ الجريمة الأخلاقية؛ حين يقف مسؤول أمام الناس ويعترف بوجود الخطر، ثم يتركهم يواجهونه وحدهم، فهو لا يُخطئ إداريًا فقط، بل يُدان أخلاقيًا.
ولأن ما يُقال هنا ليس انفعالًا ولا توصيفًا أدبيًا فقط، بل حقيقة موثقة تقف خلفها أسماء وشهادات، فإن تفاصيل ما جرى خرجت بوضوح في بيان صريح على لسان اللواء المتقاعد ياسين المواجدة، الذي وضع الوقائع كما هي، دون مواربة أو تجميل.
فقد أكد اللواء المواجدة أن المسؤول الأول في قطاع الأشغال زار بلدة العراق عقب سيول سابقة، وأقرّ بنفسه أمام وجهاء البلدة ومسؤوليها بأن العبارات الأنبوبية التابعة للوزارة هي السبب المباشر لتكرار الكارثة، وتعهد بشكل واضح وصريح باستبدالها بعبارات صندوقية كحل جذري يمنع تكرار المأساة.
تعهد لم يكن حديث مجالس، بل وعدًا رسميًا سُمع، ووُثق، وتابعه الأهالي مع الوزارة وأمينها العام، ومع الجهة التنفيذية في المحافظة، وسط تأكيدات متكررة بأن التنفيذ سيتم قبل فصل الشتاء.
ويضيف اللواء المواجدة، وفق ما ورد في بيانه، أن الحل لم يكن معلقًا بغياب التمويل، إذ جرى الاتفاق على تحويل مبلغ من فوائض مشاريع اللامركزية في لواء المزار الجنوبي لصالح وزارة الأشغال، مقابل التزامها بحل مشكلة العبارات في بلدة العراق، سواء كانت من اختصاص الأشغال أو البلدية.
اتفاق شهده أعضاء اللامركزية ورئيس بلدية مؤتة والمزار السابق، وتم توقيع كتاب التحويل رسميًا، ومع ذلك بقي الملف مغلقًا، والقرار مؤجلًا، والالتزام معلقًا، حتى جاءت السيول لتكشف ثمن هذا التأجيل حيث بلدة العراق لم تطلب المستحيل، لم تطلب مشاريع عملاقة، ولم ترفع شعارات.
طلبت فقط أن لا تتحول الطرق إلى أنهار، وأن لا تتحول العبارات إلى مصائد، وأن لا يصبح البيت مهددًا، والرزق في مهب الماء لكن من يملك القرار اختار أن يترك الزمن يتكفل بالأمر، وكأن الزمن يبني عبارات، وكأن الانتظار يوقف السيول، وكأن الصمت يحمي الناس وعندما جاءت الكارثة الأخيرة، لم تكن مفاجئة لأهل البلدة، بل كانت النتيجة المتوقعة لوعد لم يُنفّذ، وتقاعس لم يُحاسَب، وملف أُغلق قبل أن يُغلق الماء على البيوت.
فكانت الخسائر موجعة، وكان المشهد قاسيًا؛ طرق مدمرة، بيوت مهددة، ونفوق مئات رؤوس الأغنام لمواطنين فقدوا مصدر رزقهم الوحيد، في مأساة لم تصنعها السماء وحدها أما الجهة التنفيذية الأقرب إلى الأرض، والأعلم بالتفاصيل، والأقدر على دق ناقوس الخطر، فقد اختارت الصمت.
وفي مثل هذه اللحظات، الصمت ليس حيادًا، بل شراكة كاملة في النتيجة، لأن المسؤولية لا تُقاس بعدد الكتب المرفوعة، بل بعدد الأرواح التي تم حمايتها قبل فوات الأوان وهنا لا يعود الحديث عن وزارة أو مديرية فقط، بل عن أمانة وهي أمانة المنصب، وأمانة التوقيع، وأمانة المعرفة حين تتحول إلى قرار أو تتحول إلى إدانة.
فمن يعرف الخطر ويؤجّل الحل، لا يترك الأمور للقدر، بل يشارك في صنع النتيجة حيث بلدة العراق اليوم لا تكتب رسائل استعطاف، ولا تبحث عن تعاطف عابر، بل تضع الحقيقة على الطاولة، وتقول للدولة بوضوح نحن لم نغرق بسبب المطر، نحن غرقنا لأن من عرف الخطر، ووعد بالعلاج، لم يَفِ.
ويبقى السؤال الذي لا يحتاج تاريخًا ولا رقمًا ولا لجنة:
كيف يقف مسؤول أمام الله، وقد عرف، ووعد، ثم ترك الناس يواجهون المصير وحدهم؟
هذا سؤال لا تجيب عليه البيانات، ولا تُنهيه الزيارات، ولا يمحوه الوقت.. بل يجب المحاسبة وهذا ما يطالب به اهل بلدة العراق في الكرك
حفظ الله الوطن وقائده، وحفظ شعبه العظيم الذي ما زال يدفع ثمن تقصير لم يرتكبه، وحفظ الحقيقة… لأنها وحدها لا تغرق .







