بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
في غزة، حيث يسقط الشهداء كل يوم وتتحول البيوت إلى قبور جماعية، يطلّ علينا وجه آخر من وجوه الجريمة، وجه أسود قذر لا يقل خطورة عن الطائرات والصواريخ: إنه وجه الجواسيس، هؤلاء الذين باعوا دينهم وضميرهم، وتحوّلوا إلى عيون العدو وأدواته داخل أحشاء الوطن.
الجاسوس ليس مجرد شخص ضعيف خانع، بل هو خنجر مسموم يُغرس في قلب المقاومة. هو الذي يرسم للعدو خريطة دماء أبنائنا، يرسل له الإحداثيات ليقصف بيوت المجاهدين، ويُسقط الطائرات على رؤوس الأطفال. كل شهيد يسقط، وكل بيت يُهدم، وكل مقاوم يُغتال، وراءه خائن وعميل باع نفسه بثمن بخس، لا يساوي دمعة أم فلسطينية ولا صرخة طفل يدفن تحت الركام.
وهنا نسأل: هل هؤلاء بشر؟ هل يُمكن أن يُطلق عليهم أبناء فلسطين؟ أم أنهم حثالة المجتمع، أنجاس التاريخ، وأدوات صهيونية مدفوعة الأجر؟ إنهم لا يستحقون شرف الانتماء لوطنهم، ولا حتى صفة الإنسان. فالإنسان مكرّم، وهؤلاء داسوا كل القيم، باعوا دماء الشهداء، وخانوا الأرض والعرض.
الخيانة ليست وليدة اليوم، بل هي داء قديم. فقد أسقط ابن العلقمي بغداد في يد المغول بخيانته، وفتح أبو رغال أبواب مكة للأحباش، وتواطأ الخونة مع الاستعمار الفرنسي والبريطاني لتمزيق الأمة. واليوم، يخرج من بيننا من يعيد التاريخ الأسود نفسه، يسلّم غزة للعدو على طبق من دماء أهلها.
العدو معروف بوجهه وسلاحه، أما الجاسوس فيتخفى بين الناس بوجه المنافقين. يأكل من خبزهم، يجلس في مجالسهم، وربما يصلي في مساجدهم، لكنه في الليل يتحول إلى ذئب يتواصل مع ضباط المخابرات الصهيونية. هذا الخائن لا يقتل فردًا، بل يقتل مجتمعًا بأكمله. هو ليس مجرد عميل، بل سرطان ينخر الجسد من الداخل، وخيانة مغروسة في نسيج الأمة.
إن غزة، وهي تواجه القصف والموت كل يوم، لن ترحم هؤلاء الجواسيس. فالمقاومة تدرك أن الخيانة أخطر من القنابل، وأن النصر لا يكتمل إلا بتطهير الداخل من كل خائن. ومثلما أن دم الشهداء أمانة، فإن الاقتصاص من العملاء أمانة أيضًا. من دلّ العدو على بيت مقاوم أو نفق أو مخزن سلاح، فقد حكم على نفسه بالإعدام الأخلاقي قبل الجسدي، لأن المجتمع سيلفظه كما يلفظ الجسد الأعضاء الفاسدة.
التاريخ لا يرحم، وأسماء الجواسيس لن تُكتب في سجلات البشر، بل في قوائم العار. سيُذكرون كما ذُكر الخونة عبر العصور، كأقذر ما أنجبته الأمة. لن يرحمهم الشعب، ولن ترحمهم الأرض التي خانوا ترابها. سيلاحقهم العار حتى بعد موتهم، وستظل ذريتهم تحمل لعنات الناس جيلاً بعد جيل.
إن غزة اليوم، وهي تُحاصر وتُقصف وتُباد، لا تحتاج إلى بيانات الشجب ولا إلى دموع التماسيح، بل تحتاج إلى تطهير الداخل من كل خائن، وملاحقة كل جاسوس باعتباره عدوًا متخفيًا أشد خطورة من الدبابات.
فالخونة ليسوا بشرًا، إنما حثالة، نفايات بشرية، عار على التاريخ. مكانهم ليس بين الأحياء، بل في مزبلة الخيانة حيث لا يُذكرون إلا باللعنات