الأقوياء ينافقون ايضا ولكن لمن؟

3 ساعات ago
الأقوياء ينافقون ايضا ولكن لمن؟

د. عادل يعقوب الشمايله

من بين الصفات غير الحميدة التي اشتهر بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هي فظاظته واستعلائه وتعمده اهانة واستصغار الآخرين خاصة زعماء الدول دون استثناء، سوى استثناء واحد وحيد، عندما كان في حضرة الزعيم الصيني “تشي”.

في مأدبة العشاء الرسمية الكبرى التي أقامها الرئيس الصيني للرئيس الأمريكي في قاعة الشعب الكبرى في بكين، قدم ترامب خطابًا ليس فقط خالٍ من الصدامية، بل مغرفاً في الرومانسية السياسية والعلاقات العامة.
تضمن الخطاب إشارات تاريخية وثقافية وتعليمية وتجارية وفلسفية كثيرة، كُتب الخطاب بعناية لإرضاء الحس التاريخي الصيني. خطاب أقرب إلى “سردية حضارية” عن العلاقة الأمريكية-الصينية. بدأ ترامب خطابه بنبرة احتفالية دبلوماسية، قائلاً إن:
«إن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين أصبحت واحدة من أهم العلاقات في العالم.».
ثم انتقل مباشرة إلى بناء رواية عن تاريخ العلاقة بين البلدين وأنها تأسست على تقاسم الشعبين الشعور العميق بالاحترام المتبادل منذ بداية القرن الثامن عشر، على عكس ما يشاع انها بدأت متوترة بتفاعلات الحرب الباردة ثم المنافسة على الأسواق بعد اتساع التجارة الحديثة.
ثم جاءت أكثر الفقرات لفتًا للنظر، حين تحدث عن اهتمام الأمريكيين الأوائل بالفكر الصيني، حيث قال : لقد قام بنجامين فرانكلين بنشر أقوال الفيلسوف الصيني كونفوشيوس. ومن بينها: “الانسجام دون تطابق.» وهي فكرة فلسفية صينية تعني أن الاختلاف لا يمنع التعاون والتعايش.
ومقولة أخرى منسوبة لكونفوشيوس:
«أليس من دواعي البهجة أن يأتيك الأصدقاء من أماكن بعيدة؟» وهي عبارة تُستخدم كثيرًا في البروتوكول الدبلوماسي الصيني عند استقبال الضيوف الأجانب.
هذه العبارة مهمة جدًا سياسيًا وثقافيًا؛ لأن ترامب أراد أن يقول للصينيين:
-أن الفكر الصيني لم يكن غريبًا عن التأسيس الفكري الأمريكي، وأنَّ أحد “الآباء المؤسسين” للولايات المتحدة رأى قيمة كبيرة ومميزة في الحكمة الصينية، وأن التواصل الثقافي بين البلدين أقدم من الدولة الشيوعية الصينية نفسها.

ثم أضاف إشارة رمزية أخرى شديدة الذكاء من الناحية البروتوكولية، واليوم توجد صورة تكريمية للحكيم الصيني كونفوشيوس منقوشة على مبنى المحكمة العليا الامريكية كاعتراف أنه ضمن “المشرّعين والحكماء العظام”.
بعد ذلك انتقل ترامب إلى أمثلة أخرى على احترام الصينيين التاريخي لأمريكا. فذكر أن معجبين صينيين قد اهدوا لوحة تذكارية حجرية للرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن تخليدًا له، وإن هذه اللوحة موجودة في نصب واشنطن التذكاري.

ثم تحدث عن مساهمة العمال الصينيين في بناء السكك الحديدية الأمريكية العابرة للقارة، وهي نقطة حساسة جدًا في التاريخ الأمريكي، لأن العمال الصينيين كانوا عنصرًا أساسيًا في ربط الساحلين الشرقي والغربي للولايات المتحدة في القرن التاسع عشر. في المقابل ساهم الأمريكيون الذين ذهبوا إلى الصين في نشر التعليم، والطب الحديث، والتبادل المعرفي. وأن الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت ساعد في توفير أموال لإنشاء جامعة تسينغهوا التي تُعتبر من أهم رموز النخبة التكنولوجية والسياسية الصينية. وهي الجامعة التي درس فيها الرئيس الصيني شي جينبينغ نفسه.
بعد ذلك انتقل ترامب إلى فكرة “القيم المشتركة”، فقال إن الشعبين الأمريكي والصيني يشتركان في:
تقدير العمل الجاد، والشجاعة، والإنجاز، والطموح الاقتصادي.
ثم حاول بناء نتيجة سياسية على ذلك، فقال إن هذه القيم المشتركة تمنح البلدين فرصة لصناعة مستقبل أكثر ازدهارًا وتعاونًا وسعادة وسلامًا لأطفالنا.
وفي فقرة أخرى، تحدث ترامب عن التفاعل الثقافي اليومي، ومثال ذلك الانتشار الهائل للمطاعم الصينية في الولايات المتحدة، وقال : إن عدد المطاعم الصينية في أمريكا يفوق سلاسل الوجبات السريعة الكبرى مجتمعة.
ورغم أن الأرقام التي ذكرها كانت موضع تشكيك، إلا أن المغزى السياسي كان واضحًا: الثقافة الصينية أصبحت جزءًا من الحياة اليومية الأمريكية، وأن والعلاقة ليست مجرد تجارة أو صراع جيوسياسي.

ثم انتقل ترامب إلى العلاقة الشخصية مع شي جينبينغ، وقال له: ” انت قائد عظيم”. واضاف، احيانا لا يحب الناس أن أقول ذلك، لكنني أقوله على أي حال لأنه صحيح. وأكد على أن علاقتهما تمتد الى سنوات طويلة، وإنها أطول علاقة شخصية مستمرة بين رئيس أمريكي ورئيس صيني في العصر الحديث تقريبًا.
وفي نهاية الخطاب توجه ترامب للرئيس تشي: يشرفني أن ادعو الرئيس تشي والسيدة عقيلته لزيارة البيت الأبيض.
الخطاب كله كان مبنيًا على فكرة أساسية:
أن الصراع بين الصين وأمريكا ليس حتميًا، وأن العلاقة بينهما أعمق من الحرب التجارية أو قضية تايوان أو المنافسة التكنولوجية. «لقد أغنت الثقافة الصينية الحياة الأمريكية بطرق لا تُحصى.»
باختصار: حاول ترامب حاول ترامب أن يُظهر نفسه بوصفه رئيسًا يفهم “العُمق الحضاري” للصين، لا مجرد رجل صفقات. لذلك، جاء خطابه مختلفًا نسبيًا عن لغته المعتادة الحادة، ومليئًا بالإشارات التاريخية والثقافية والفلسفية التي أراد من خلالها القول إن العلاقة الأمريكية-الصينية ليست علاقة طارئة، بل علاقة تراكمت عبر قرون من التفاعل الفكري والتجاري والثقافي. «أجيال من الطلاب والباحثين والعلماء ورواد الأعمال عززوا الروابط بين شعبينا.الطلاب الصينيين في الجامعات الأمريكية، التعاون البحثي والتكنولوجي والاستثمارات المتبادلة،وتأثير العولمة التعليمية والثقافية.

ومن أكثر المقاطع تداولًا في الخطاب قوله إن:
«إن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين أصبحت واحدة من أهم العلاقات في العالم بأسره.»
الخطاب جاء في لحظة كان فيها الطرفان يحاولان تخفيف التوترات المتعلقة بالحرب التجارية والرسوم الجمركية، تايوان، التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية، النفوذ في آسيا، وسلاسل التوريد العالمية.