إثيوبيا تتمزق نحو محيط جديد.. الأرض تتحرك 60 سنتيمترا في 90 يوما

ساعة واحدة ago
إثيوبيا تتمزق نحو محيط جديد.. الأرض تتحرك 60 سنتيمترا في 90 يوما

وطنا اليوم:إذا أمسكت بـ”مسطرة خشبية”، وحاولت سحب طرفيها ببطء شديد، فما يحدث أنها لا تنكسر، بل تتمدد بمقدار ضئيل جدا لا تلاحظه العين، لكن إذا قمت بتوفير قوة ضغط إضافية، فقد تتسبب في إحداث شرخ مفاجئ وسط المسطرة.
هذا بالضبط ما يحدث في منطقة “عفر”، في الركن الشمالي الشرقي من إثيوبيا، وهي نقطة التفاعل بين ثلاث صفائح تكتونية، وهي الصفيحة العربية والأفريقية والصومالية.
ورصدت دراسة لباحثين من قسم العلوم الجيولوجية بجامعة ميسوري نشرتها دورية ” جيومورفولوجي” ( Geomorphology )، قبل عامين، تمزق الأرض ببطء في تلك المنطقة (بمعدل من 5 إلى 20 ملم سنويا) نتيجة حركة تلك الصفائح وابتعادها عن بعضها البعض، بما يحدث تأثيرا مشابها لمحاولتك شد طرفي المسطرة الخشبية.
لكن دراسة حديثة لباحثين من هيئة المساحة الجيولوجية نشرتها دورية “جيوفيزكال جورنال إنترناشونال” (Geophysical Journal International) كشفت عن قوة إضافية، وقعت بين أواخر ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى منتصف مارس/آذار 2025، جعلت الأرض تتمزق 60 سنتيمترا، وهو معدل من المفترض أن يتحقق خلال 120 عاما، لكن تلك القوة اختصرت سنوات من التمزق الهادئ، في أحداث سريعة ومفاجئة خلال 3 أشهر.
ولتقريب معدلات التمزق التي تشير إليها الدراستان، يمكن أن نأخذ مثالا حيا تراقبه في حياتك بانتظام، فبينما تنمو أظافرك بمعدل 3 إلى 4 ملم في الشهر، أي ما يعادل حوالي 36 إلى 48 ملم في السنة، فإن سرعة تباعد الصفائح في الظروف العادية من 5 إلى 20 ملم في السنة، يعني أن أظافرك تنمو سنويا أسرع منها بـ 2 إلى 9 مرات.
لكن بينما تنمو الأظافر خلال 3 أشهر بمقدار 12 ملم (1.2 سم) فقط تقريباً، فإن الأرض تباعدت في إثيوبيا خلال الحدث الاستثنائي بمقدار 600 ملم (60 سنتيمترا)، أي أن الأرض كانت تتمزق بسرعة تفوق سرعة نمو أظافرك بـ 50 مرة.
وستؤدي الإزاحة في الظروف العادية، وما يطرأ عليها من أحداث استثنائية إلى ترقق القشرة القارية في النهاية حتى تنقطع تماماً، وبمجرد أن تنخفض الأرض بسبب هذه الإزاحات إلى مستوى أدنى من سطح البحر، ستتدفق مياه البحر الأحمر وخليج عدن لتغمر هذه المنطقة، مما يحول منطقة “عفر” وإثيوبيا إلى قاع محيط جديد، سيكون هو المحيط السادس بعد محيطات الهادي والأطلسي والهندي والمتجمد الشمالي والمتجمد الجنوبي.

ما هو الحدث الاستثنائي؟
والحدث الاستثنائي الذي وثقه باحثون من هيئة المساحة الجيولوجية، وأدى لإزاحة الـ 60 سنتيمترا، كان بمثابة قفزة مفاجئة من حالة التمزق السنوي البطيء إلى حركة تزيد عن النصف متر قليلا “60 سنتيمترا” خلال ثلاثة أشهر، وذلك بسبب عملية جيولوجية حركية تُعرف باسم “حقن الدايك الصهاري”، وهي بمثابة ولادة لشق أرضي جديد مملوء بالصهارة.
و”الدايك”، عبارة عن كسر رأسي ضخم في القشرة الأرضية تندفع داخله الصهارة (الماغما) من الأعماق، وما حدث هو أن الصهارة اندفعت في شق يمتد بطول 50 كيلومتراً تحت الأرض، وتحديداً في المنطقة الواقعة بين بركاني “فنتالي” و”دوفن”، وهذه الصهارة المندفعة لا تملأ الفراغ فحسب، بل تعمل كـ “إسفين” فولاذي ضخم يدفع جانبي القشرة الأرضية بعيداً عن بعضهما البعض بقوة هائلة.
وبسبب دفع الصهارة للصخور المحيطة بقوة، لم تتحمل القشرة الأرضية هذا الضغط المفاجئ، وأدى ذلك إلى تكسر الصخور المحيطة بالدايك، مما ولد أكثر من 300 زلزال، وكانت هذه الزلازل بمثابة “صوت تمزق” القشرة الأرضية وهي تفسح المجال للصهارة لتستقر في مكانها الجديد، ووصلت قوة أكبر هذه الهزات إلى 5.9 درجة، وهي القوة الكافية لإحداث شقوق سطحية وإجلاء السكان.
ونتيجة اندفاع الصهارة في الشق، انتفخت الأرض وتوسعت بشكل عرضي، وقفزت هناك بمقدار 60 سنتيمترا بعيداً عن مركز الشق، ورصدت الأقمار الصناعية التي استخدم الباحثون بياناتها مثل قمر الرادار ذي الفتحة الاصطناعية التداخلية (InSAR) هذه القفزة.
وهذا الارتفاع أدى لتغيير مسارات المياه الجوفية وظهور ينابيع جديدة واختفاء أخرى، بالإضافة إلى حدوث هبوط في فوهات البراكين القريبة (مثل فوهة فنتالي) نتيجة سحب الصهارة من مستودعاتها العميقة لتغذية هذا الشق الجديد.
وأثبت هذا الحدث وجود “نظام سباكة بركاني” مترابط تحت الأرض، حيث تهاجر الصهارة من بركان إلى آخر تحت السطح دون الحاجة للانفجار خارجا، وكان المثير للدهشة أن كل هذا الضغط والزلازل لم تؤد لثوران بركاني، إذ تجمدت الصهارة داخل الشق تحت السطح ولم تخرج للحمم، مما حولها إلى “قشرة أرضية جديدة” تضاف إلى قاع المحيط المستقبلي.

ما حدث في إثيوبيا ليس استثنائيا
ويقول الأستاذ بكلية العلوم الطبيعية والحاسوبية بجامعة مادا والابو بإثيوبيا د. عبديسا كاوو -لم يشارك في الدراسة-: “رغم وجود هامش خطأ محدود في بيانات تقنية (الرادار ذي الفتحة الاصطناعية التداخلية)، ناتج عن الظروف الجوية وطبيعة التضاريس الوعرة في منطقة عفر، فإن قياسات ارتفاع سطح الأرض بنحو 60 سنتيمترا تعد موثوقة علميا إلى حد كبير، خاصة أنها استندت إلى بيانات متكررة”.
وأشار في تصريحات إلى أن ما حدث في إثيوبيا ليس حالة استثنائية، بل ينسجم مع أنماط جيولوجية سجلت سابقا في مناطق نشطة مثل آيسلندا والبحر الأحمر، حيث يحدث انفصال الصفائح التكتونية على هيئة “نبضات” متقطعة وعنيفة بدلا من التغير البطيء المستمر.
وأكد أن تحرك الصهارة بين المناطق البركانية المختلفة لا يعني بالضرورة قرب حدوث ثوران بركاني أو زلزال مدمر، موضحا أن الصهارة بقيت في الأعماق ولم تصل إلى سطح الأرض، بينما ظلت الزلازل المسجلة ضمن النطاق المتوسط من حيث القوة.
ولفت إلى أن الدراسة، رغم أهميتها، لا تزال بحاجة إلى بيانات إضافية لفهم ما يحدث في أعماق القشرة الأرضية بصورة أدق، خاصة فيما يتعلق بمسارات الصهارة ودرجة الحرارة والانبعاثات الغازية، مشددا على أهمية تعزيز شبكات الرصد الأرضية وربطها بالمراقبة عبر الأقمار الصناعية للحصول على إنذار مبكر وتقليل المخاطر المحتملة مستقبلا.
كما أوضح أن التشوهات الأرضية قد تترك آثارا تدريجية على المياه الجوفية والبنية التحتية، من خلال تغيير مسارات المياه تحت الأرض أو زيادة الضغط على الطرق وخطوط الأنابيب والمنشآت القريبة من مناطق الصدوع، ما يستدعي استمرار المتابعة العلمية والبيئية على المدى الطويل.