بقلم : رئيس جمعية اسناد للديمقراطيه وحقوق الانسان الدكتور هشام محمد المصري
في زمنٍ تتسارع فيه مظاهر الرفاهية، وتتسع فيه واجهات البذخ والترف، يقف الفقر شاهداً صامتاً على مفارقةٍ مؤلمة يعيشها المجتمع المعاصر. فبينما تتلألأ المراكز التجارية، وتزداد مظاهر الاستهلاك المفرط، ما زالت هناك أسرٌ تكافح من أجل لقمة العيش، وشبابٌ يطاردون فرصة عمل تحفظ لهم كرامتهم، وأطفالٌ يحلمون بأبسط حقوقهم في التعليم والحياة الكريمة.
إن الفقر اليوم لم يعد مجرد نقصٍ في المال، بل أصبح حالةً مركبة تشمل ضعف الفرص، وانعدام العدالة الاجتماعية، وتراجع الإحساس بالمسؤولية الجماعية. ففي الوقت الذي تُنفق فيه الأموال على الكماليات، هناك من يعجز عن توفير الضروريات. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: حين يصبح الترف ثقافة، ويُنظر إلى معاناة الفقراء كأمرٍ اعتيادي لا يثير الانتباه.
لقد ساهمت التحولات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، واتساع الفجوة بين الطبقات، في تعميق هذه الأزمة. فباتت الطبقة الوسطى نفسها مهددة بالانزلاق نحو الفقر، بينما تستمر قلةٌ محدودة في احتكار الثروة والفرص. ومع غياب التخطيط المستدام، وضعف بعض المبادرات التنموية، تتسع الهوة أكثر فأكثر.
لكن المسؤولية لا تقع على الحكومات وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية شاملة. فالقيم الإنسانية والدينية تدعونا إلى التكافل، وإلى أن يكون الغني سنداً للفقير، والقوي عوناً للضعيف. قال الله تعالى: “وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم”، وهي رسالة واضحة بأن العدالة الاجتماعية ليست خياراً، بل واجبًا أخلاقياً وإنسانياً.
إن مواجهة الفقر في زمن الترف تحتاج إلى أكثر من مساعدات مؤقتة؛ تحتاج إلى مشاريع تنموية حقيقية، وتعليم نوعي، وتمكين اقتصادي، وفرص عادلة، وسياسات تُعيد التوازن للمجتمع. كما تحتاج إلى وعي مجتمعي يعيد تعريف النجاح، بحيث لا يُقاس فقط بحجم الثروة، بل بحجم الأثر والإنسانية.
الفقر ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة يمكن تغييرها بالإرادة الصادقة والعمل المسؤول. وبين الترف والفقر، يبقى الضمير هو الفاصل الحقيقي: هل نختار أن نعيش لأنفسنا فقط، أم نؤمن أن ازدهار المجتمع لا يكتمل إلا حين يشعر الجميع بالأمان والكرامة؟
في النهاية، تبقى الأمم العظيمة ليست تلك التي يكثر فيها الأغنياء، بل تلك التي لا يُترك فيها فقيرٌ وحيداً في مواجهة الحياة.
المصري يكتب : الفقر في زمن الترف






