السيوف يكتب: كهنوت الموارد ولعنة الجغرافيا: صراع الوجود في ميزان السيادة الوطنية والواقعية السياسية الحتمية

ساعتين ago
السيوف يكتب: كهنوت الموارد ولعنة الجغرافيا: صراع الوجود في ميزان السيادة الوطنية والواقعية السياسية الحتمية

بقلم: ابراهيم احمد السيوف

إن المتفحص لعمق التحولات الجيوسياسية في المشرق العربي يدرك يقيناً أننا لا نواجه أزمات عابرة، بل نصطدم بحتمية صراع وجودي تدور رحاه في فلك “الموارد السيادية”، حيث لم تعد المياه والطاقة مجرد سلع اقتصادية خاضعة لمنطق العرض والطلب، بل تحولت إلى عقيدة سياسية وسلاح استراتيجي تستخدمه القوى الإقليمية لفرض هيمنة قسرية تتجاوز مفاهيم القانون الدولي التي شاخت، ولم تعد قادرة على لجم أطماع دول المنبع أو ضبط فوضى الاستقواء بالواقع الجغرافي.
وفي هذا المشهد المتلاطم، تبرز الدولة الأردنية كصخرة سيادية صلبة استطاعت بعبقرية استثنائية أن تطوع “الندرة” لتصنع منها “منعة” فريدة تتجاوز ضيق الموارد المادية إلى رحابة التأثير السياسي والجيوسياسي المرتكز على شرعية تاريخية وقانونية راسخة الجذور. وهنا تتجلى فلسفة القوة في قدرة الدولة على تحويل ملفات المياه والطاقة من خانة “التهديد الوجودي” إلى “أدوات اشتباك إيجابي”، تفرض من خلالها حضورها كمركز ثقل إقليمي لا يمكن استثناؤه من معادلات الاستقرار الكبرى في المنطقة.
إن هذا التداخل العضوي بين الاقتصاد والسياسة والأمن القومي يفرض علينا إعادة قراءة العقد الاجتماعي برؤية قانونية وسياسية معمقة تؤمن بأن السيادة الحقيقية لا تُوهب بل تُنتزع بصلابة الموقف ووحدة الصف الوطني، الملتف حول قيادته ومؤسساته العسكرية والأمنية التي تشكل الدرع الحصين أمام أي محاولة للابتزاز السياسي عبر نافذة الحاجات الأساسية؛ فالأردني الذي جُبلت هويته بصبر الصحراء وعنفوان البادية لا يقبل أن تكون لقمة عيشه أو قطرة مائه رهينة لمزاجية القوى الخارجية أو تفاهمات الغرف المظلمة، بل يراها جزءاً لا يتجزأ من كرامته الوطنية التي تسمو فوق كل اعتبار مادي.
إننا نعيش عصر “جيوبوليتيك البقاء” الذي يتطلب فكراً تحليلياً يجمع بين دهاء السياسة وحزم القانون لمواجهة التغول الإقليمي الذي يحاول إعادة رسم خارطة النفوذ على أنقاض الحقوق العربية المشروعة. ومن هنا، فإن تعزيز مشاريع الربط البيني والاعتماد المتبادل المتوازن يمثل الرد الاستراتيجي الأمثل لتحصين القرار السيادي وضمان تدفق شرايين الحياة بعيداً عن هيمنة القطب الواحد أو التبعية المهينة.
فالسيادة في ميزاننا ليست مجرد نصوص دستورية صماء، بل هي ممارسة يومية للقوة والكرامة تضمن للأجيال القادمة وطناً حراً سيداً يملك قراره وموارده ومستقبله، في إقليم لا يعترف إلا بالأقوياء الذين يتقنون فن البقاء في قلب العاصفة.