كتب الدكتور زيدون محمود المساد
تُجمِع الرؤى الاقتصادية، والإدارية الحديثة على أن النهضة الحقيقية لأي أمة لا تبدأ من وفرة الموارد المالية فحسب، بل من ثورة في السلوك البشري، وإصلاح المنظومة القيمية التي تحكم العمل العام.
وفي الأردن، نقف اليوم أمام استحقاق كبير يتمثل في ضرورة الانتقال من عقلية الإدارة التقليدية المثقلة بالرواسب الاجتماعية، إلى عقلية الإدارة العلمية المنتجة، انطلاقا من المبدأ القرآني الخالد الذي يؤكد أن التغيير الخارجي في واقع الدول هو نتيجة حتمية لتغيير ما في نفوس الأفراد.
تفكيك التراث السلبي: معركة الوعي
يشير الواقع إلى أن التحدي الأكبر أمام التطوير الإنساني في مؤسساتنا هو الاشتباك مع تعقيدات اجتماعية، وقيمية متجذرة. فحين تصبح الوظيفة العامة في وعي بعض الناس مجرد مكسب شخصي، أو وسيلة لخدمة الهويات الفرعية من عشيرة، أو منطقة، فإننا نكون أمام هدر حقيقي لرأس المال البشري. هذا التراث السلبي يعطل مبدأ تخصيص الموارد بناءً على الكفاءة، ويخلق تشوهاتٍ تطرد الاستثمار، وتقتل حوافز الإبداع لدى الشباب.
إن الإصلاح يبدأ من النفس، عبر التخلي عن عقلية المحاصصة، والاسترضاء، والتحول نحو الإدارة كونها عملية علمية تعتمد النزاهة، وحسابات الكلفة، والعائد.
استراتيجية WASP: نحو سلوك إداري حضاري.
لكي نترجم تغيير ما في النفوس إلى واقع ملموس، تبرز الحاجة لتبني معايير عالمية في خدمة الجمهور، تتلخص في مبدأ WASP الاحترافي، وهو المنهج الذي تعتمده دول رائدة مثل: سنغافورة، والإمارات؛ لتحويل الإدارة إلى رافعة للنمو:
• الترحيب (Welcoming): وهو التغيير النفسي الأول، حيث ينتقل الموظف من دَور المتسلط، إلى دَور الميسّر؛ فاتحًا قنوات التواصل بتقدير، واحترام.
• الانتباه (Attention): وهو جوهر الإدارة العلمية، حيث يمنح الموظف تركيزه الكامل؛ لفهم احتياجات المواطن بدقة، ما يمنع الأخطاء، ويوفر الوقت، والجهد الضائع.
• الابتسامة (Smiling): وهي القوة الناعمة التي تمتص التوتر الاجتماعي، وتخلق بيئة عمل إيجابية، تعكس طمأنينة النفس ورُقيّ التعامل.
• حل المشكلات (Problem-solving): وهو الغاية القصوى، والنتيجة الملموسة. فالتغيير الحقيقي يظهر حين يمتلك الموظف الرغبة، والقدرة على ابتكار الحلول القانونية السريعة؛ بدلاً من وضع المعيقات البيروقراطية.
الأثر الاقتصادي للتغيير السلوكي:
عندما يغير الموظف، والمسؤول ما في أنفسهم عبر تبني هذه القيم، فإننا لا نحسّن الأخلاق فقط، بل نخفض تكاليف المعاملات الاقتصادية. فالإدارة التي تحل المشكلات بمهنية تجذب المستثمر الذي يبحث عن سيادة القانون، ووضوح الإجراءات. إن التحول من الإدارة بالمحاصصة، إلى الإدارة بالإنجاز هو الكفيل برد الاعتبار لمؤسسات الدولة، واستعادة ثقة المواطن بها.
إن التحديث الاقتصادي، والسياسي في الأردن سيبقى منقوصا ما لم يرافقه تحديث إداري يطال السلوك اليومي. إن مبدأ WASP ليس مجرد مهارات تواصل، بل هو انعكاس لنفسية إدارية تؤمن بالعدالة، والكفاءة. إن طريق النهضة يبدأ بقرار فردي من كل موظف، ومسؤول بأن يكون هو التغيير الذي يريد رؤيته في الوطن، فالله لا يغير حال قوم من الركود إلى الازدهار، إلا إذا غيروا هم القيم، والسلوكيات التي تحكم أداءهم، وأمانتهم.
المساد يكتب: *WASP أدوات التغيير*






