د. عادل يعقوب الشمايله
وضعت ايران عدة شروط للتفاوض مع الولايات المتحدة وصولا لوقف إطلاق النار.
اول الشروط هو اعتراف الادارة الامريكية بسيادة ايران على مضيق هرمز. هذا الطلب الإيراني، البجح والذليل في الوقت ذاته، يُقر أن امريكا تملك العالم. بنت ايران هذا المطلب على خبراتها السابقة. فقد تجرأت امريكا واعطت القدس لإسرائيل وأعطتها بعد ذلك الجولان. كما اعطت امريكا في عهد الرئيس اوباما العراق لايران مما فتح لها الطريق واسعا بدون عوائق للوصول والتواصل مع ذراعها حزب الله على البحر المتوسط. فما الذي يمنعها ان تعطيها مضيق هرمز؟
الطلب الإيراني ليس مستغرباً إذا تذكرنا أنها تسيطر على ثلاث جزر إماراتية وُهِبَت لها من بريطانيا بموجب وعد بلفور الثاني مقابل أدوارها الشريرة زمن حكم الشاه. هذا الوضع يكشف كذب ونفاق الموقف الإيراني المُعلن المُستَنكِر لوعد بلفور الأول. ففي الحالتين أُعطي من لا يملك من لا يستحق. والاحتلال يبقى احتلالاً سواء كان صهيونياً أو إيرانياً أو تركياً، إذ إن تركيا تحتل لواء الإسكندرون بهبة فرنسية.
من المعلوم أن مضيق هرمز يقع ما بين شاطئين: الشاطئ العربي والشاطئ الإيراني. هذا الواقع الجغرافي يُفترض أن يُترجم إلى واقع سياسي مماثل، يتماهى مع واقع السيادة الفعلي الحالي على طرفي المضيق.
إذاً، مطلب إيران بالسيادة الخالصة المنفردة على المضيق يمثل إنكاراً وتغييباً للوجود العربي على الطرف المقابل لإيران. ولو كانت إيران تملك حقاً تاريخياً أو واقعياً في السيادة على المضيق لما طلبت من أمريكا أن تهبها إياه.
الاستئثار والانفراد الإيراني بالسيادة على المضيق، إذا قُدِّر له أن يحدث، هدفه السيطرة على تصدير النفط الذي تنتجه جميع الدول المشاطئة للخليج العربي الفارسي، والتي هي دول عربية. وبذلك تصبح إيران الطرف المؤثر بل والمقرر لكميات الإنتاج، وربما لوجهات التصدير والتسعير. إذ إنه إذا لم تسمح إيران، في أي وقت تشاء، بمرور السفن من الخليج إلى وجهاتها، فإن كميات إنتاج النفط في دول الخليج والعراق لن ترتبط بالطلب العالمي عليها، وإنما على احتمالات مرورها وشروط القرصنة الإيرانية والابتزاز الإيراني.
الغرور الإيراني من جهة، والهشاشة العربية من جهة أخرى، شجعا إيران على البدء فعلياً بفرض سيادتها على المضيق لتخلق أمراً واقعاً مستجداً أثناء الحرب يثبت سيطرتها عليه بعد الحرب كغنيمة من غنائم الحرب. وبناءً على ذلك باشرت بفرض رسوم على السفن التي تسمح لها هي بالعبور، أسوة بقناة السويس وقناة بنما، مع الفارق أن قناة السويس تمر بالكامل ضمن الأراضي المصرية من الجانبين، كما أن مدخلي قناة بنما (الشرقي والغربي) يقعان داخل سيادة بنما، في حين أن مضيق هرمز يقع بين عدة دول تشاطئه جميعها عربية باستثناء إيران.
الشرط الثاني الذي وضعته إيران لوقف الحرب هو التعويضات عن الأضرار التي سببتها الحرب. لذلك، قد تبرر إيران انفرادها بتحصيل الرسوم من السفن التي تسمح لها بالمرور على أنه جزء من التعويض الذي تطلبه من دول الخليج، بتهمة أنها شريكة في الحرب عليها. أما بقية التعويض فتطالب به إيران من أمريكا، مع أنها تعلم أنها لا تستطيع إجبار أمريكا على دفعه، وأن من سيتحمله فعلاً هو دول الخليج كجزء من التريليونات التي يريد ترامب تحصيلها من تلك الدول بدل حمايته لإسرائيل، وليس حمايتها هي التي لم تحدث.
المطلب الثالث هو إزالة القواعد الأمريكية واستبداله باتفاق أمن جماعي تكون إيران هي المسيطرة عليه، مشابه لحراسة الذئب للغنم.
النتيجة هي تعاظم قوة إيران ونفوذها الإقليمي وارتهان الاقتصاد العالمي لإرادتها، وإضعاف دول الخليج مالياً وعسكرياً لتعود مجرد محميات كما كانت زمن الإنجليز، وانقضاء مرحلة الاستقرار التي نعمت بها تلك الدول والتي استقطبت السياح والاستثمارات وجعلتها رمز التقدم في المنطقة.
وعلينا أن لا نستبعد أن تفتح إيران دفاترها القديمة وتطالب بتعويضات عن مساندة دول الخليج للعراق في حربه معها بقيادة صدام حسين. إيران لم تتوقف عن استدعاء التاريخ. الدولة والمجتمع الإيراني عقيدته تاريخية ثأرية، يتعامل مع العرب على أنهم معاوية ويزيد، وأنه لا بد من الثأر منهم لمقتل الحسين، وأن يذعنوا لحكم المرشد ممثل علي والحسين في الإمامة والخلافة التي حُرما منها.
بالنتيجة فإن ما تريده إيران هو أكبر من مجرد رفع علمها والاعتراف اللفظي بسيادتها على المضيق.
إذا أضفنا إلى ذلك سيطرة إيران من خلال الحوثيين على باب المندب، مما يضع تجارة النفط بين فكي الكماشة الإيرانية، فإن تحكم إيران في الممرين يجعل منها القوة المهيمنة على معظم نفط العالم الذي يتحرك فوق سطح البحار. ولما كان النفط هو شريان الاقتصاد، فستتحكم إيران في أسعار النفط واستقرار تدفقه، وأسعار المنتجات الصناعية، وأسعار خدمات النقل البري والجوي والبحري، وإنتاج الكهرباء، ورفاهية ومستوى معيشة معظم شعوب العالم.
مطلب إيران، إذا تحقق، سينتقل بها من دولة محاصرة منذ خمسين عاماً إلى دولة تحاصر العالم.
صورة العرب لا تسر الصديق ولا تغيظ العدى. العرب يعيشون حالة ضياع كسفينة كُسرت بوصلتها أو انقطع عنها الإنترنت، تتلاطمها الأمواج. حالة الضياع سببها قبولهم المطلق، لدرجة التعبد، بتقسيم سايكس بيكو وبالهويات التي أنجبها التقسيم، وبين البحث في ركام الماضي عن إمبراطورية كبرى غابرة: أموية، عباسية، عثمانية، مع أنها كانت ممالك عائلات اغتصبت الحكم ورتعت في مباهجه وتركتهم في جهلهم وفقرهم وتناحرهم على بقع المياه الملوثة في صحرائهم المهملة. الجمع بين رفض التنازل عن الهويات الطارئة التي لا تاريخ لها، وعدم التنازل عن أوهام الإمبراطورية التي لم تعد ممكنة في هذا العصر لأي أمة، مع أن العرب ليسوا الوحيدين الذين كانت لهم إمبراطورية واندثرت، معضلة بل سرطان.
هذا الوضع الشاذ ينقض مقولة أن المجتمعات ليست خرائط، وأن الهوية ليست متغيراً يمكن إعادة برمجته. فخارطة المجتمع العربي منذ سقوط مملكة العثمانيين على أيدي الإنجليز والفرنسيين وحتى عام 1990 لا تشابه خارطته خلال ستمائة عام من الاحتلال العثماني. وخارطته بعد الربيع العربي ليست هي ذات الخارطة بعد عام 1990 وحتى 2011. الهويات تغيرت وتبدلت عبر القرون، رغم أنها بُنيت لها المعابد في كل مرحلة.
وإذا ما حملقنا في خارطة الشرق الأوسط الحالية نجد عليها ثلاث قوميات متماسكة: القومية الفارسية، والقومية التركية، والقومية الصهيونية. ووسط هذه القوميات يتبعثر العربان ويتقاتلون ويتحالفون ضد بعضهم البعض، ويتوزعون في التبعية بين القوميات الثلاث. يشهد على ذلك العلاقات العدائية بين المغرب والجزائر، وبين غرب ليبيا مع شرقها ومع مصر، والعلاقات بين الخليج واليمن، وبين اليمن واليمن، وبين الفلسطينيين والفلسطينيين، وبين سوريا وكل من العراق ولبنان، وبين السودان والسودان، وبين حلفاء الطرفين المتقاتلين في السودان من العرب وغير العرب.
لقد ترسخ قدر الجزء العربي من منطقة الشرق الأوسط على أنه غنيمة من غنائم ما بعد الحرب، وترسيخ حالة الولادة غير المكتملة بكل ما تتسم به من مظاهر الضعف والترقب، وعدم إعطاء أبنائه فرصة إدارته واختيار المديرين. وهو ما سعى إليه جمال عبد الناصر، أول رئيس مصري منذ قرون، لانتزاع إدارة الشعوب العربية من أعدائها، ورفضه التسليم بأن العرب حيط واطي أو منطقة فراغ سياسي. لذلك حورب مشروعه القومي من قبل الاتحاد السوفيتي الساعي للتمدد، وبنفس القدر حاربته أدوات الاستعمار الغربي، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان.
هذا الخلل في التعامل مع حقوق الشعوب، التي يفترض أنها ثابتة، يستدعي التساؤل: هل العرب شعب كبقية الشعوب؟ وهل لهم حقوق ثابتة كبقية الشعوب، ومن بينها الوطن محدد الحدود؟ أم أنهم في نظر دول العالم مجرد بدو رحل يفترشون أي رمال رومانية أو عثمانية، أو أوروبية، أو أمريكية؟
كما يستدعي توجيه سؤال للفلسطينيين الذين يطالبون من شعوب ودول العالم، وفي مقدمتها الشعوب والدول العربية، مناصرتهم على الاحتلال الصهيوني لأرضهم الفلسطينية، ويبررون تحالفهم مع إيران ومع تركيا اللتين تحتلان أراضي عربية سورية وإماراتية، ويهاجمون دولة الإمارات ويتشفون بها ويوجهون لها أقسى عبارات الشتم والتخوين، ويتمنون النصر لإيران؟
هذا الموقف يتناقض مع منطق الأمور ويضر بمصلحة الفلسطينيين. وعلى الفلسطينيين أن يتذكروا نتائج تأييدهم لاحتلال الكويت بدلاً من دعمها، اعترافاً بجميل الكويت التي استضافتهم وشغلتهم، ومن أرضها انطلقت منظمة فتح، بعكس العراق الذي لم يقدم لهم أي شيء، وكان الأولى اتخاذ موقف الحياد وهو أضعف الإيمان، مما حدا بالكويت إلى طرد عشرات الآلاف منهم.






