الضفة الغربية بين الضم والحسم والتهجيروالتجويع

ساعة واحدة ago
الضفة الغربية بين الضم والحسم والتهجيروالتجويع

*واقع يتغير بصمت… ومستقبل مفتوح على كل الاحتمالات*
ناصر الزماعرة
في الضفة الغربية، لا تسير الأحداث على إيقاع الانفجارات الكبرى فقط، بل على وقع تغييرات بطيئة وعميقة تعيد رسم الجغرافيا والسياسة معًا. بين حديثٍ متجدد عن الضم، وتطبيقٍ عملي لفكرة “الحسم”، وتصاعد سياسات التهجير والضغط الاقتصادي، يبدو المشهد وكأنه يتجه نحو إعادة تعريف الصراع لا مجرد إدارته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولًا: الضم… خطوة مؤجلة أم واقع قائم؟
عاد ملف ضم أجزاء من الضفة الغربية إلى الواجهة منذ طرح خطة الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب عام 2020، والتي منحت إسرائيل غطاءً سياسيًا لفرض السيادة على مناطق واسعة، خصوصًا في الأغوار والكتل الاستيطانية.
ورغم تجميد الإعلان الرسمي عن الضم، فإن الوقائع على الأرض – من توسّع استيطاني وتسريع مشاريع البنية التحتية – توحي بأن الضم يسير بطريقة غير معلنة.
الفرق بين “الضم القانوني” و”الضم الزاحف” قد يكون في النصوص، لكنه على الأرض يتجسد في خرائط جديدة ونقاط تماس يومية. كما أن القرارات المتعلقة بما يُعرف بـ”أملاك الدولة” (أملاك الغائبين) تُفسَّر على نطاق واسع بأنها تمهّد لتكريس السيطرة على المنطقة (C)، التي تشكل نحو 62٪ من مساحة الضفة الغربية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثانيًا: الحسم… إنهاء الصراع بالقوة السياسية
داخل اليمين الإسرائيلي، تبرز نظرية “الحسم” التي تدعو إلى إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية عبر فرض سيادة كاملة وتقليص دور السلطة الفلسطينية. من أبرز المدافعين عن هذا الطرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يرى أن إدارة الصراع لم تعد مجدية، وأن الوقت حان لفرض معادلة جديدة.
الحسم، وفق هذا المنطق، يعني:
1- توسيع الاستيطان وشرعنة البؤر، وهو ما أدى فعليًا إلى مزيد من الفصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها.
2- تعزيز السيطرة الأمنية وتكثيف الوجود العسكري.
3- إضعاف السلطة الفلسطينية أو إعادة تشكيل دورها ووظائفها.
لكن هذه المقاربة تحمل في طياتها خطر انفجار طويل الأمد؛ إذ إن إنهاء الأفق السياسي قد يدفع نحو تصعيد شعبي واسع، ويعيد إنتاج دورات عنف جديدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثالثًا: التهجير… سياسة الأمر الواقع
في مناطق مثل الأغوار وجنوب الخليل (مسافر يطا)، تتزايد عمليات الهدم والإخلاء بحجج تتعلق بالبناء غير المرخّص أو الاحتياجات العسكرية.
النتيجة واحدة: تضييق الخناق على التجمعات الفلسطينية ودفعها نحو الرحيل التدريجي.
التهجير هنا ليس مشهدًا دراميًا جماعيًا فوريًا، بل عملية استنزاف بطيئة تقوم على:
1- منع التوسع العمراني.
2- مصادرة الأراضي أو إعلانها “أراضي دولة”.
3- تضييق مصادر الرزق، خاصة في الزراعة والرعي.
هذا المسار يثير قلقًا إقليميًا، خصوصًا لدى الأردن، الذي ينظر إلى أي تغيير ديموغرافي واسع باعتباره مسألة تمس أمنه الوطني مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابعًا: التجويع والضغط الاقتصادي
الاقتصاد الفلسطيني يعيش حالة هشاشة متزايدة في ظل احتجاز أموال المقاصة، وتقييد الحركة والتجارة، وتراجع فرص العمل.
الضغط الاقتصادي لا يقل أثرًا عن الضغط الأمني، بل قد يكون أكثر عمقًا، لأنه يمس الحياة اليومية للناس:
تآكل الطبقة الوسطى.
ارتفاع معدلات البطالة.
تراجع مستوى الخدمات العامة.
هذه العوامل تخلق بيئة قابلة للاحتقان الاجتماعي، حتى وإن لم تنفجر فورًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى أين يتجه المشهد؟
الضفة الغربية اليوم أمام ثلاثة مسارات محتملة:
1- استمرار التغيير التدريجي دون إعلان رسمي، مع تكريس واقع جديد يصعب التراجع عنه.
2- انفجار ميداني واسع نتيجة تراكم الضغوط السياسية والاقتصادية.
3- عودة المسار السياسي بضغط دولي وإقليمي لإحياء حل الدولتين، ولو بصيغة معدلة.
المؤكد أن مرحلة “إدارة الصراع” تقترب من نهايتها، لتحل محلها مرحلة إعادة تشكيله. وبين الضم والحسم والتهجير والتجويع، يبقى السؤال الأهم:
هل يمكن احتواء هذه التحولات قبل أن تتحول إلى مواجهة شاملة؟
الضفة الغربية لا تعيش لحظة عابرة، بل مرحلة مفصلية قد تحدد شكل الصراع لعقود قادمة.