د محمد العزة
الحزبية في الاردن لا تراجع عنها و تم حسم أمر ملفها و شرعية وجودها و مشاركتها قانونا و تشريعا وهذا موقف صادر عن رأس هرم الدولة الأردنية .
من يشارك في الحياة الحزبية هو الأقدر على التعامل مع الحالة السياسية المستقبلية للدولة الأردنية. ، ومن لا يرغب أو غير قادر على الانخراط فيها و اختار الحياد متفاعلا أو متفرجا على الأقل ، له الحق في إبداء الرأي و التعبير و التحليل لكن لن يمتلك قدرة المشاركة و خبرة مهارة استخدام أدوات التأثير التي تصنع وصفات الحل السياسي لاي مشكل أو تحدي داخل ملف الشأن الداخلي الاقتصادي الاجتماعي الخدماتي أو التشريعي و اي مجال آخر .
اليسار الاردني شكلت له سنة ٢٠٢٢ صدمة أو حالة من الارتباك لم تمكنه من استيعاب مرحلة الحداثة الحزبية البرامجية و متطلباتها ، الأمر الذي أثار السؤال في ذهنه حول اي هيئة أو عقلية فكرية سيختار إعادة تمثيل نفسه فيها ، فصار حائرا حول الإجابة ما بين العودة إلى عقلية وأدوات زمن اليسار الكلاسيكي الماضي الفكري الثوري الفلسفي الذي كان وقتها حالة حداثية متقدمة ، و مابين ادوات و عقلية التخطيط الاستراتيجي البرامجي و رصد مؤشرات القياس الاقتصادية المرتبطة بقضايا العمال و البطالة و الانتاج و الرفاه الاجتماعي التي لطالما كانت صلب اهتمام اليسار .
ظهرت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، و التي خضت غمار تجربتها و نشاطها و فعالياتها و انتقدتها سواء على مستوى من طرح فلسفة وفكر الديمقراطية الاجتماعية ولم يصنع لها أو منها قالبا و نموذجا أردنيا حقيقيا يمكن الاشتباك من خلاله مع واقع تعقيدات و تحديات الحالة الأردنية ثم تقديم الحل ، إيمانا و اقتناعا أنها الطريق الثالث و إحدى الخيارات المثالية لمستقبل الحياة السياسية الأردنية إذا ما توفرت البنية الاقتصادية لها و النية السياسية بإدخالها كأحد عناصر الحياة السياسية الأردنية و ممثلة داخل الحكومات و باقي المؤسسات الحكومية و ترسخت وعيا في لدى الثقافة الشعبية.
أخفق القائمين على بناء النموذج الأحزاب الديمقراطية و أنشغلوا في انقسامات داخلية ، فئة اهتمت بشرح إقتصاد السوق الاجتماعي و اليات الاستقطاب و النموذج الألماني و الهولندي في و عناصر الرفاهية الاجتماعية و تحضير الحليب الطازج ، تحت شعار دللها أكثر تعطيك أكثر ، و فئة أخرى تفرغت لرصد تحركات سفارات القوى الإمبريالية اليانكية المانحة لنا و تشتمها و تعرض فيلم السفارة في العمارة مش عن سلم مش عن بيع راح نقاوم التطبيع ، ومن جهة أخرى محاولات بعض الكوادر بالتأكيد على أهمية التفاعل مع الشارع و المواطن المسحوق داخل دوامة غسالة الاتوماتيك المستعملة التي عندما تصل مرحلة التنشيف تبدأ بالاهتزاز و الانتقال من مكانها داخل البيت من المطبخ حيث تصنع الطبخة وفجاءة تستقر في الصالون أمام التلفاز تسمع اخبار الساعة لتتابع ارتفاع أعداد الضحايا و اسعار الذهب و التأمين و اسرار صفقة القرن و التحول للدراسة عن بعد ، ليأتي اليوم التالي لتنزل الكوادر من الغرف الفندقيه لتناول وجبتها الصباحية و اكمال دوراتها التدريبية .
تجلت و تمركزت مشكلة هذا النموذج أن بعض قياداته لم تستطع التخلي عن عقلية الرمزية الصنمية اليسارية القديمة و اتجهت تعمل لأجل تحقيق مكاسب أو مصلحة شخصية تتخذ من المدنية و الديمقراطية واجهة و يافطة سياسية إعلامية ، دون الايمان بفكرة وبناء مشروع ضمن أدبيات و أسس ديمقراطية مشروعة وخطاب سياسي متنوع ما بين خطاب الموالاة المحفز أو المعارضة نقدي لأجل مصلحة وطنية عامة ليكون هذا المشروع رافعة و نهج يسهم في التقدم في مختلف مجالات الدولة وفي ذات الوقت تنعكس آثارها إيجابا معنويا و ماديا على الشخصية ولا ضير من ذلك لأنها الفطرة الإنسانية التي تتوافق مع الطموح و الأنا و الاخر و التشاركية و تتناقض مع الأنانية و الرمزية و احتكار الصفة في الذات .
المثقف أو الحزبي المدني الديمقراطي وجوده ضرورة في المعادلة السياسية داخل حسابات الدولة لإتاحة الموازنة مع تيارات التدين السياسية ، وصناعة حالة الاتزان .
اليسار الاردني بعد فقدانه لهياكله الأساسية التي شكلت أساس بنيته التحتية الايدلوجية اصابه التداعي و تحلل إطاره الخارجي ليكشف عن لب دماغه ، غيمة من الأفكار الحالمة الفلسفية الثورية النرجسية لكن على الأرض منفصلة عن واقعية الأزمنة و تداعيات أحداثها شكلت دافعا لتفرقه و شتات أهدافه و إضاعة الفرصة لإعادة حساباته في التحور و التمحور حول صناعة يسار حاضنته العامة و الشارع و منهجية القيادة الوطنية المؤسسية البرامجية التي تلامس احتياجات المواطن و الحفاظ على الوطن .
الطبيعة البيولوجية للخلية الإنسانية تشهد عمليات هدم و بناء يومية ، و هذا قد يقودنا إلى حقيقة أن الطبيعة السياسية بالشق الذي يخص اليسار السياسي الأردني أنه قد وصل إلى قناعة مرحلة الهدم والبناء على اساس هندسة معمارية يسارية حزبية اردنية برامجية تقدمية ، و قد يصاب البعض بالحساسية من هذا المقترح لكننا نقول حتى الديمقراطية احيانا قد تكون مخرجاتها اسوء من الديكتاتورية ،لكن الجيد أن لها انياب تستطيع أن تغير من حالة السوء إلى ما هو افضل السيء ثم إلى الجيد وهكذا .
من ثم ليس من العدالة أن يكون نموذج الديمقراطية العربية نسخة مطابقة للديمقراطية الغربية ، فلكل منها ظروفها و شروطها و ثقافتها و هويتها التي تجعل من الهموم اليومية و الملفات الداخلية الأساسية في نواة اهتمامها و نقاشها و طرحها انطلاقا من منصة الشارع وصولا إلى الدوار الرابع.
ايها الرفاق اعذروني لما سأكتب حول الحالة الحزبية الأردنية الحالية و اعتبروها ملاحظة أو خاطرة جالت في عقلية ترقب تصدعا أو اختلالا في سلوك الحزبية في القوى اليسارية من على المساحة المتاحة أو المخصصة لها فوق المسطرة الحزبية السياسية لاقول :
لا يوجد على الساحة السياسية الأردنية يسارا او وسطا أو يمينا بالمعنى و المفهوم الذي يلبي متطلبات المشروع أو النموذج الحزبي البرامجي في حقبة الألفية الثانية و مرحلة المئوية الثانية للدولة الأردنية، هي قوى أشباه ظل تبتغي جذب الإنتباه ، تقتات على اطلال الماضي و تبكي على ذكراه.
لدينا بقايا يسار كلاسيكي تقليدي فكري فلسفي ثوري وليس يسارا ديمقراطيا حداثيا برامجيا يدافع و يرفع هموم الشارع و يفتح الملفات بشكل مؤسسي و يتشارك في إعداد الحل مع الخبراء و الاختصاص بل كل ما نملكه هو خليط من تشكيلة حائرة المكونات هل تكون يسار فواكه للأغنياء ام تشكيلة يسار خضار و فلفل حار و خيار للفقراء و كاسك يا يسار.
لكن هذا لا يعني أن اليسار و كوادره ومساحته انتهت بل هناك نفس جديد و قيادات جديدة ستقود اليسار أو التيار الديمقراطي التقدمي بلون ونكهة وطنية اردنية تتفاعل مع القضايا اليومية للمواطن بطريقة برامجية منهجية قادرة على مخاطبة الشارع كل حسب مستوى ثقافته و همه و متطلباته ، هو في طور التجدد و التمدد و ليس سرا بل اعتمادا على الممارسة و المناورة السياسية الداخلية التي تتضمن التقييم والنقد و سعة الفكر القابل لاستيعاب مفردات وأدوات اي مرحلة و حالة سياسية حالية أو مستقبلية ، وهذا مثبت في نظرية البقاء و التكيف ، عندما انقرضت الديناصورات من على الأرض هل توقفت الحياة هل تعرضت الإنسانية و مشاريع التطور للفناء على العكس ازدادت ازدهارا و تنوعا في المخلوقات و رصدت في الأجواء و السماء طيورا تغرد لحن الحياة ، لحن الوفاء و الانتماء لوطن عاهدناه أن يظل عزيزا كريما آمنا مطمئنا مستقرا