عبد الحسين شعبان: لا بدّ من مصالحات تاريخية وإلا فنحن سائرون نحو التفتّت

12 يناير 2024
عبد الحسين شعبان: لا بدّ من مصالحات تاريخية وإلا فنحن سائرون نحو التفتّت

عبد الحسين شعبان
صدر له أخيرا “مظفر النواب: رحلة البنفسج”
لوركا سبيتي
صحافية وشاعرة لبنانبة

هو أكاديمي ومفكّر من الجيل الثاني للمجدّدين العراقيين، يساري النشأة والتوجّه، تنويري الوعي والسلوك، وحداثيّ في رؤيته لمفاهيم الديموقراطية وقضايا الإنسان والمجتمع المدني والأديان والقوانين الدستورية والدولية بما فيها قضايا النزاعات والحروب والتسامح واللاّعنف. يعدّ من المثقفين الإشكاليين الذين سلكوا طريق التجريب والجدال، جمع بين العمل الفكري والأكاديمي وأعطى نشاطه السياسي معنى حقوقيا، ومزج السياسة بالثقافة، وذلك كله تحت مراجعة ذاتية ونقد ذاتي. اهتم بمعالجة قضايا الصراع العربي – الإسرائيلي وبذل جهدا في ذلك عبر مؤلفات كثيرة. صدر له أخيرا كتاب “مظفر النواب: رحلة البنفسج”. “المجلة” التقت د. عبد الحسين شعبان وأجرت معه هذا الحوار.
• أثار كتابك الأخير “مظفر النواب: رحلة البنفسج” (دار النهار) اهتماما عربيا واسعا؟ ما الذي يجمعك بالنواب حتى كتبت عنه؟
ربما مصدر الاهتمام أنه أول كتاب جامع يصدر بعد رحيل الشاعر، فصورة مظفر النواب في الذاكرة الجمعية العربية تقترب من صورة بروميثيوس في الميثولوجيا الإغريقية، لقد ظلّ طوال سبعة عقود من الزمن يحمل أحلامه الطريدة ويطوف بها شرقا وغربا بأشواقه الغامضة وحنينه المعطّر. تجمعني بالنواب الأحلام والتمرّد والمنافي والأوهام والخيبات، وظلّت الحريّة البوصلة والهاجس الدائم للتفلّت من قيد الاستتباع إلى رحاب الاستقلالية، ومن عبء التقليد إلى شاطئ التجديد، ومن الإيمانية التبشيرية الدعوية إلى العقلانية التساؤلية النقدية.

النوّاب استمرار لمدرسة بدر شاكر السياب
والشعر الشعبي العراقي قبله ليس كما بعده

• أين تضع مظفر في سياق التجديد الشعري العربي؟
النواب استمرار لمدرسة بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي، ولعدد من مجايليه، مثل أدونيس ومحمود درويش ومحمد الماغوط وسعدي يوسف ويوسف الصائغ، لكنّه بدأ باللغة المحكيّة، أي باللهجة العامية العراقية، الجنوبية تحديدا. وأستطيع القول إن الشعر الشعبي العراقي قبل مظفر النواب ليس كما هو بعده، فالحاج زاير والملّا عبود الكرخي وحسين قسّام وعبد الحسين أبو شبع، كمبدعين، مثلّوا المدرسة الكلاسيكية، وكانت مدرسة النواب هي الحدّ الفاصل بينهم وبين المدرسة الجديدة الحداثية، ومن أتى بعده من المجددين في الشعر الشعبي اقتفوا أثره بشكل أو بآخر، مثل طارق ياسين وشاكر السماوي وعزيز السماوي وعريان السيد الخلف وكاظم اسماعيل الگاطع، ومن بعدهم جمعة الحلفي ورياض النعماني وغيرهم، وإن كان لكلّ منهم صوته الخاص ولونه المتميّز، لكنهم يجتمعون تحت سقف القصيدة الحديثة.

الجواهري
• كيف وازنت علاقتك بين الجواهري الشاعر الكلاسيكي والنواب الشاعر الحداثي؟
ارتبطت بصداقة مع النواب زادت على 5 عقود من الزمن، كما ربطتني صداقة مع الجواهري لنحو 3 عقود حتى وفاته في 1997. قبل ذلك كانت مكتبة الأخوال والأعمام تحتوي على دواوين الجواهري، وكنت أشعر أنه موجود في بيتنا ومدرستنا كأنه يعيش معنا، ناهيك بكوننا من مدينة واحدة وبيئة مشتركة، وقد عشنا في فترة من الزمن في براغ وأخرى في دمشق، وهكذا نشأت العلاقة.

ثمة روافد روحية ثلاثة شكّلت أساسا لتكويني الثقافي؛ أولها – القرآن الكريم، الذي كان يفتتح والدي عزيز شعبان صباحه به بصوته الرخيم، وثانيها – الأدب بعامة والشعر بخاصة، ولا سيّما شعر الجواهري، الذي كنّا نتناقله ونحفظه؛ وثالثها – الفكر اليساري والماركسي بشكل خاص ضمن الموجة السائدة آنذاك في أواخر خمسينات القرن الماضي، وخصوصا في أجواء العائلة والأصدقاء والمدينة، إضافة إلى صورة الجواهري المتخيّلة في ذهني وأنا فتى، ثم اللقاء الأول في تجمّع جماهيري كبير عام 1959 في ساحة الكشافة، وبعدها متابعة أخباره من خلال صحيفة “الرأي العام” والصحف العراقية الأخرى، حتى هِجرته إلى براغ في 1961، بعد خلافه مع الزعيم عبد الكريم قاسم، ثم من خلال إذاعة “صوت الشعب” العراقي السريّة، حتى عودته إلى بغداد أواخر العام 1968، واللقاءات المباشرة، وفي ما بعد في براغ في السبعينات وبعدها في دمشق فترة الثمانينات، وخلال تلك الفترات قرأت دواوين الجواهري وتعرّفت إليه وإلى مزاجه، وفي الثمانينات أجريت حوارات مطوّلة معه، نشرت بعضها في كتابي “الجواهري: جدل الشعر والحياة” 1997، حيث كنت أجالسه كثيرا في الفترة الأخيرة من دراستي في براغ وفي الشام. وقبل ذلك أصدرت عنه كتابا بعنوان “الجواهري في العيون من أشعاره” 1986، وذلك من خلال ذائقتي الشعرية وبالتعاون معه.

ما يحدث في غزّة هو جريمة مكتملة الأركان
وهو حرب إبادة، جرت فيها انتهاكات سافرة ضدّ الإنسانية

• هل كتبت الشعر؟
جرّبت كتابة الشعر في البدايات، لكنني انصرفت عنه لخشيتي من دخول مملكته، على الرغم من أنني ما زلت أسرّب بعض المقطوعات الشعرية دون أن أضع اسمي عليها، إلّا في ما ندر، وذلك خلال كتاباتي وسردياتي لأنني أشعر بهيبة كبيرة أمام سلطان الشعر. والشعر عندي مثل ابن رشد، أوفر حظا من الفلسفة، وأسمى مقاما من التاريخ، لأنه يتناول الكلّي من الأشياء، إنه سؤال ورؤية وصورة وإحساس وحلم ومخيلة، وقبل كلّ ذلك دهشة، ولا شعر دون دهشة.

حرب غزة

• مساهماتك التنويرية والحداثوية، في خصوص المجتمع المدني وحقوق الإنسان والديموقراطية. ماذا يقول لك هذا كله عن حرب غزّة اليوم؟
يقول نيتشه “ما قيمة فضيلتي إن لم أكن عاطفيا”، وحسب قواعد القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، وبعيدا من العواطف، وإن كانت هي التعبير الأكثر انسجاما عن المشاعر الإنسانية، أقول إن ما يحدث في غزّة هو جريمة مكتملة الأركان، وهي حرب إبادة، جرت فيها انتهاكات سافرة ضدّ الإنسانية، ناهيك بجرائم الحرب، علما بأن التوصيف القانوني للأراضي الفلسطينية أنها “أراض محتلة”، والشعب الذي لا يقاوم محتليه، إنما هو شعب من العبيد، خصوصا أن جميع القوانين الوضعية والسماوية تعطي البلد المحتلة أراضيه حق المقاومة، التي هي عمل مشروع للدفاع عن النفس.

• أين دور المثقفين؟
حاولنا كنخبة من المثقفين توجيه رسالة نلفت فيها نظر المثقفين الغربيين إلى الجرائم المرتكبة وندعوهم إلى إعلان موقف تأييد صريح للحقوق الوطنية الثابتة لشعب فلسطين في أرضه، كما ندعوهم إلى حوار حول هذه المسائل على قاعدة القيم والمبادئ العليا التي تقوم عليها الحضارة الإنسانية، وإلى اعتماد المعايير المشتركة، فنحن وإياهم نتقاسم القيم الإنسانية، تلك التي تتجسّد بمنظورها العملي والتطبيقي اليوم في غزّة.
وقد وقّع الرسالة أدونيس ونحو 93 مثقفا بارزا في العالم العربي. وللأسف فإن رسالة المثقفين الغربيين التي وقعها المفكّر الماركسي هابرماس من مدرسة فرانكفورت المعروفة، كانت مخيّبة للآمال، بل برّرت عدوان “إسرائيل” على غزّة. وهو ما يذكّرنا بموقف سارتر إبان العدوان “الإسرائيلي” على البلدان العربية، واحتلال القدس في 1967، الأمر الذي لا بدّ من التوقف عنده ونقده بشدّة والتمسك بمعايير التنوير الحقيقية وحقوق الإنسان، دون تمييز ومعايير مزدوجة وانتقائية. وإذا كان ذلك على المستوى العام، فإنني على المستوى الشخصي أدعو إلى المقاومة الثقافية، وفي جزء منها فضح الرواية الإسرائيلية وتأكيد زيفها وبطلانها، لا سيّما في المحافل الدولية، وفي مقدمتها اليونسكو.

لا بدّ من مصالحات تاريخية بين التيارات الاجتماعية والسياسية
ونشر ثقافة الحوار والتسامح والسلام وقبول الآخر وتعميقها

أصل المشكلة

• كيف يمكن أن يحدث ذلك، ولا تزال إسرائيل تفعل ما تشاء ولا يحاسبها أحد؟
لعلّ ذلك يحتاج إلى جهد عربي موحّد للضغط بجميع الوسائل الممكنة وبديبلوماسية ناعمة اقتصادية وثقافية ودينية سلمية للوصول إلى هذا الهدف. أما سبب عدم مساءلة إسرائيل، فلأنها مدعومة ومحمية من جانب القوى الغربية الكبرى، على الرغم من معاناة الفلسطينيين، التي زادت على ثلاثة أرباع القرن. إن دعم الغرب اللّامحدود لإسرائيل يعود إلى شعوره بالذنب إزاء اضطهاد اليهود المسؤول عنه، ولو أرادت الولايات المتحدة اليوم ومعها الاتحاد الأوروبي تمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره بنفسه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، لفرضت ذلك على إسرائيل.

• يرى بعضهم أن أصل المشكلة في العالم العربي يعود إلى عدم قدرة الشعوب العربية على إرساء الدولة- الأمة، هل تتفق مع ذلك؟
الدولة التي نحتاج إليها في العالم العربي هي التي تقوم على قاعدة المواطنة السليمة والمتكافئة وحكم القانون، وبالطبع لا مواطنة حقيقية دون حريات وشراكة ومشاركة ومساواة وعدالة، لا سيّما عدالة اجتماعية في حدّها الأدنى، وستكون المواطنة ناقصة ومبتورة مع الفقر، وتمثل هذه المعايير بالتدرج والتراكم والتطور السبيل لتحقيق الدولة – الأمة، فثمة فوارق كبيرة بين السلطة والدولة، فالسلطة متغيّرة أمّا الدولة فهي باقية.

• إلى أين في رأيك يتجه المشرق العربي الذي وضعت شعوبه، السوري والعراقي واللبناني والفلسطيني، في إطار الحرب الدائمة وتدمير المؤسسات فيها؟
لعلّ الحروب الداخلية التي عانى منها العراق وسوريا ولبنان وفلسطين لا تقلّ خطرا عن الحروب الخارجية، فهي حروب على طريقة المصارعة الرومانية، قد يصل أحدهما إلى الموت والآخر إلى درجة الإعياء حدّ الموت، ومثل هذه الحروب عبثية وليس فيها انتصارات، بل إن أي انتصار فيها أشدّ عارا من الهزيمة، لا سيّما حين تنتشر الكراهية والأحقاد بسبب التعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف، وهذا الأخير عندما يتحوّل إلى سلوك يصبح إرهابا، ورأينا حالات همجية من الإرهاب الدولي، خصوصا على يد تنظيمات “القاعدة” و”داعش” و”جبهة النصرة” (جبهة فتح الشام) وأخواتها.
لا بدّ من مصالحات تاريخية بين التيارات الاجتماعية والسياسية، ونشر ثقافة الحوار والتسامح والسلام وقبول الآخر واحترام الحقوق والحريّات، وتعميقها، وصولا إلى ما هو مشترك وإنساني، وإلا فإن مجتمعاتنا سائرة نحو التفتت والتآكل والانشطار.