بنك القاهرة عمان

حادثة التحرش

9 يونيو 2022
حادثة التحرش

مروان العمد

انشغلت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الايام الماضية بالحديث عن حادثة التحرش المزعوم من قبل احد اساتذة احدى الجامعات ببعض طالباتها . ومما اطلعت عليه وسمعته فأن الامر لا يكاد ان يصدق . وانا لا اريد ان انصب نفسي محامي دفاع ، ولا ممثل ادعاء . ولا حتى عضو لجنة تحقيق في الحادثة . الا انه لي بعض الملاحظات عليها .
وملاحظتي الاولى ، ان من اثار هذا الموضوع في البداية هي مواقع تواصل اجتماعي غير رسمية قيل ان بعضها وهمي وباسماء مستعارة ، وانه تم ازالتها بعد نشر المحتوى ٠ ثم اخذ البعض في تداولها بينهم على مختلف الوسائل . ولتقوم بعدها عدد من طالباتها بالكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بهن عن قضايا تحرش حصلت معهن من قبل نفس المدرس تعود الى ثلاث او اربع سنوات ماضية ، اي الى ما قبل زمن الكورونا . بل على وجه التحديد الى اليوم السابق لبداية الدراسة عن بعد . فما الذي جعلهن يلتزمن الصمت طوال هذا الوقت بالرغم من ان مرحلة الدراسة عن بعد انتهت في نهاية عام 2021 . ومن المفروض ان الطالبات اما تخرجن ، او على وشك التخرج منها . وان هذه الاحداث لم تتكرر معهن بعد العودة للدراسة النظامية . وكما ان مرحلة الدراسة عن بعد ما كانت تمنعهم من حقهم بتقديم الشكوى .
وقد ضجت وسائل التواصل الاجتماعي في الحديث عن هذا الموضوع ، واصبح هو الاهم عليها . وتم تناسي قضية القدس وفلسطين . وقضية الشهيدة شيرين ابو عاقله ، والشهيدة غفران رواسنة . واللتان تم اغتيالهما على مرأى من العالم اجمع ، وهما تقومان بعملهما الصحفي لكشف الممارسات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني . والهجمة الصهيونية على الاماكن المقدسة في القدس والسعي لتقاسمها مع المسلمين تمهيداً للسيطرة الكاملة عليها . وتم تناسي اجتياح قطعان المستوطنين لساحات الاقصى وهم يرفعون الاعلام الصهيونية ، ويقيمون شعائرهم الدينية الممنوع عليهم ممارستها داخل اسوار المسجد الاقصى . كما تم تناسي الحرب الاوكرانية الروسية وازمة الغذاء العالمية ، وارتفاع الاسعار والمشتقات البترولية ، ليمتد هذا التجاهل الى مخرجات لجنة الحوار الاقتصادي الاردني وجلسات اطلاقها . ولم يبقى امام هذه المواقع سوى عقد المحاكمات على صفحاتها والاستماع لشهود الاثبات واطلاق احكام الادانه على المدرس والحكم باعدامه ادبياً قبل ان يتم التحقيق في القضية والاستماع الى بيناتها . والاهم ادانة جميع جامعاتنا واغتيال سمعتها و الحكم عليها بالاعدام . واغتيال سمعة الوطن حيث صارت هذه الحادثة حديث العالم .
ولقد كانت للغالبية العظمى من وسائل اعلامنا الالكتروني ، وغالبية محطاتنا الفضائية ، مواقف مشرفة اتجاه هذا الموضوع مستنكرة حدوثه ومستنكرة بحثه بهذه الطريقة ، وان مكانه الاساسي لجان التحقيق في الجامعة ، و اجهزتنا القضائية . الا ان محطتان فضائيتان اردنيتان مشهورتان على الاقل ، و مذيعان من اشهر مذيعينا قد جرفهما تيار التنافس والحصول على السبق الصحفي والشهرة الشخصية ، عقدتا محاكمهما الخاصة بهما بحضور الضحايا اللواتي تم التحرش جنسياً بهن حسب الادعاء . وبحضور المتهم الذي لم يكن لديه مساحة كافية للدفاع عن نفسه ، ولم يعطيه القاضي المذيع حتى فرصة ان يكمل جملة مفيدة واحدة ، وظل يتعامل معه وكأنه مجرم مدان . او جسد موبوء ، و يرمقه بنظرات وكأنها الطعنات . فيما فتح الباب واسعاً للمشتكيات للتحدث بادق التفاصيل ، مع طلب رفع الصوت من قبل الفنيين ، والذي كان مرتفعاً وواضحاً ، وربما يريد ان يسمعه للعالم باكمله ، مع تعبيرات بالوجه والجسد وكأن الحديث هو عن سفاح القرن . واذ بالحديث كله يدور حول شاهد ما شفش حاجة ، وعلى طريقة طيب الذكر الممثل المصري المشهور عادل امام . لأن معظم ما قيل كان عن طريق النقل عن طالبات اخريات غير مشتكيات وغير شهود ، والادعاء بقولهن ان الدكتور تحرش بهن . وانه تطاول الى اماكن حساسة من اجسادهن . اما بقية حوار المشتكيات فحديث عن نقاش مع المدرس على العلامات والامتحانات ، وانه كان يطلب منهن مراجعته في مكتبه ، وان احداهن ولحرصها على سمعتها اصطحبت معها صديقتها ، وان الاستاذ رفض لذلك مناقشتها . ثم جاء عصر الكورونا ولم يحصل بينهما لقاء او حديث آخر . وانها وعندما سألها المذيع فيما اذا قدمت شكوى ، اجابت وبتردد بانها تعتقد انها فعلت ذلك ، ولكنها لا تعرف لمن قدمتها . وان هذا الشخص اخبرها انه لا جدوى من شكواها حيث ان عليه شكاوى كثيرة . وانها اكتفت بذلك . اي انها شهادة غير مؤكدة ومن شخص غير معروف ولا قيمة قضائية لها . كما ان قولها هذا ادانته واتهام من قبلها للجامعة التي كانت تعرف بتصرفات المدرس طوال هذه السنوات ولم تتخذ أي إجراء بحقه . اما محور حديث مشتكيتان اخريان ، فقد كان يتعلق باتصالات خطية على هاتف الاستاذ يطلب منهما الحضور الى مكتبه لمناقشتهما بعلاماتهما ، وتعديلها كما ترغبان . او الذهاب برفقته الى خارج الجامعة . وانهما لم تستجيبا لطلبه محافظة على نفسيهما ، دون توضيح لماذا لم تشتكيان عليه في حينها . ولماذا احتفظتا بنص الحوار على هاتفيهما لمدة ثلاث او اربع سنوات دون شطبه ، واحتمال اطلاع احد اقاربهما عليه وإساءة فهمه ؟ ولماذا ظهر الآن وبعد هذه السنوات ، وفي هذه الايام الذي يتعرض فيه الاردن للهجوم والتشكيك من مختلف الاتجاهات . كم يذكرني ذلك بحادثة مونيكا ليونسكي .
كما جرى حوار على فضائية اخرى مع رئيس الجامعة والذي كان يجب عليه ان لا يقع تحت بريق الظهور الاعلامي ، وان يكتفي بالقول ،بأنه وردته معلومات عن هذا الموضوع وانه جاري التحقق منها ، وانه سوف يتم اتخاذ الإجراءات الادارية والقانونية على ضوء ذلك . كما لا يجوز لفضائية بثقلها واهميتها ومذيع بقدرات وخبرات مذيعها ان يخرج على الهواء مباشرة للتحدث في مثل هذا الموضوع ، بناء على معلومات تعتمد على قيل وقال وسمعت . كما ان رئيس الجامعة اخطأ في الانتظار لخمسة ايام لاعلام المدعي العام بالقضية .
والامر المحير اكثر هو موضوع البنطلون المعلق على باب غرفة الاستاذ من الداخل ، وقوله لمن تدخل او يدخل مكتبه اخلع البنطلون ، ومن يرفض ان بخلع بنطلونه هو اوهي ، يقول لهما مستدركاً انه يقصد رفعه من مكانه . كيف يمكن تصديق مثل هذه الحكاية الغير منطقية والدكتور في مكتبه منذ ربع قرن ، ويدخله رئيس الجامعة والمدرسين ، والاصدقاء والمراسلين والطلاب والطالبات والبنطلون معلق على الباب لاستخدامه كمصيدة للداخلين دون ان يتسائل احداً عن سر تعليق البنطلون على الباب . الله يسهل على غوار الطوشة وجاكيته وطربوشه . ولكن غوار الطوشه كان اكثر ذكاء من ذلك ، وكان يعلق الجاكيت والطربوش عندما يغادر مكان عمله على العلاقة ، ليعطي انطباعاً للمسؤولين و للمراجعين بتواجده داخل المبنى ما دام جاكيته وطربوشه معلق فيه .
كما ان الحديث الذي دار حول هذا الموضوع يرقى الى درجة الاخبار لدى المدعي العام ، والذي يقتضيه واجبه الوظيفي ان يبادر للتحقيق فيه من غير شكوى ، وان يفرض حظر النشر عنه لغاية انتهاء التحقيقات ، الامر الذي يعتبر اهم من كل قرارات حظر النشر السابقة في قضايا اخرى ، كون هذا الموضوع يتعرض للشرف وسمعة الآخرين من الجنسين ، وبشرف وسمعة جامعاتنا التي نزلت للحضيض .
ثم اين كان مسؤولينا الحكوميين خلال هذه المهزلة . اين كان دولة رئيس الوزراء ؟ . اين كان معالي وزير التعليم العالي ؟ . اين كان معالي وزير الداخلية ؟ اين كان معالي وزير العدل ؟ اين كان عطوفة محافظ العاصمة . بل اين كان عطوفة من رفض ان يدفع فواتير عهرنا ، ومن صرخ قائلاً ( جوعتوا الناس الله لا يعطيكوا عافيه يلعنكوا بجاه هل آذان ، يلعنكوا بكل كتاب ، عيب مافضل اشي عند الشعب الاردني يخاف عليه ). والذي اصبح نتيجة ذلك صاحب عطوفة
نعم هناك تحرش وهناك متحرشين وهناك ضحايا تحرش . وهذا يحصل في كل مكان في العالم . في مكان العمل والشارع والملعب و وسائل المواصلات وحضانات الاطفال و المدارس والمعاهد والجامعات ، وحتى دور العبادة . نعم يجب كشف المتحرشين وتوقيع اقصى العقوبات بحقهم والتشهير بهم مع المحافظة على سمعة المتحرش بهم . ولكن لي كلمة اخيرة ودون ان يفهم منها بأنني انحاز ضد الطالبات ، فأنه مما لا شك فيه انه توجد فئة منهن من هن على استعداد لفعل اي شيئ من اجل الحصول على علامات اكثر مهما كانت الوسيلة . ويمكن التأكد من ذلك من خلال هيئات التدريس في جامعاتنا ومدى الرعب الذي يعيشون به من ان يتم اتهامهم بمثل هذه التهم . ويمكن التأكد من ذلك من ملفات القضاء لدينا . وانا على اطلاع على بعضها .
كم نحن مهوسون في نشر كل ما يضر بسمعتنا ومكانتنا بين دول العالم .
حفظ الله الاردن نظاماً و وطننا وشعباً